بشريعة التوراة والإنجيل .
أقول : صرّح عليه السلام في ذيل الحديث أنّ عيسى عليه السلام أمر أمّته أن يؤمنوا بشريعة التوراة والإنجيل . وفيه إشعار بأنّ موقعيّة التوراة عند المسيح عليه السلام وأمّته ليست كما هو المتعارف من تصديق كلّ لاحق بما أتى به السابق ، فإنّ التصديق من ناحية القرآن لمن كان قبله من الأنبياء وكتبهم ، ليس إلّا لإثباتهم وتأييدهم وتثبيتهم لا للعمل . ولا لاحتياج أمّة القرآن لبعض ما في تلك الكتب من علومها وشرائعها وحقائقها وعقائدها ، فإنّ القرآن أجمع جميع الأفراد والأزمان والأوضاع والأحوال إلى يوم القيامة بخلاف الكتب السابقة ، فإنّ كتاب نوح عليه السلام مع سبقه زمانا على الكتب النازلة ، كان الأنبياء بعده مروّجين له ، عاملين به . وكذلك التوراة كان رائجا ومتداولا بين أنبياء بني إسرائيل ، وكانوا مأمورين بالعمل بما فيه سواء أكان لهم كتاب مثل زبور داود أم لا ، وعيسى عليه السلام كان من أنبياء بني إسرائيل وليس كتابه الإنجيل يستغني عن التوراة ، بل صريح الرواية أنّه ليس فيه قصاص وأحكام حدود ولا فرض ميراث ، فالمنسوخ من التوراة بالإنجيل ليس إلّا بعض الآصار والأثقال لا كلّه ؛ وهو الظاهر من الآية الكريمة حيث يقول :
« وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
. . .
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ » *
فذكر التوراة في أول الآية في مقام الامتنان منه - سبحانه - على عيسى عليه السلام بأنّه - تعالى - يعلّمه الكتاب . واعتنى بذكر التوراة من بين الكتب أجمع ثانيا في مقام التصديق ولم يذكر الكتب الأخرى ، مع أنّه عليه السلام كان مصدّقا لجميع ما بين يديه من الكتب ، فإفراده بالذكر فيه عناية خاصّة ، وإشعار بأنّ التوراة كان كتاب العمل لعيسى وأمّته .
في البحار 11 / 56 ، عن المحاسن ، عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال :
قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام قوله اللّه :
« فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ » .
[ الأحقاف ( 46 ) / 35 ] فقال : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد صلوات اللّه عليهم وعلى جميع أنبياء اللّه ورسله .
قلت : كيف صاروا أولي العزم ؟ قال : لأنّ نوحا بعث بكتاب