ولا شاهد في الآية الكريمة على أنّ المبشّر هو جبرئيل ، أو الرّوح الممّثل في مرتبة تمثّله لها ، كما أنّه لا دليل على أنّ موقف هذه البشارة ؛ هو موقف تمثّل الرّوح لها كي يهب لها بإذن اللّه غلاما زكيّا . ولا دليل أيضا على أنّ مناجاة مريم بقولها :
« رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ »
هو بعينه ما قالت في جواب الروح عند تمثّله لها ، حيث قالت :
« أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا » .
[ مريم ( 19 ) / 20 ]
فالملائكة المبشّرين غير جبرئيل ، وموقف البشارة غير موقف تمثّل الروح .
ومناجاتها بحسب نصّ الآية صريح أنّها مناجاة مع اللّه - سبحانه - لا مع الملائكة المبشّرين .
[ معنى الكلمة ]
والكلمة والكلام المستعمل في الكتاب والسنّة لها إطلاقات بحسب الموارد المستعملة . فقد استعملت وأطلقت الكلمة على الأمور العينيّة الخارجيّة ، وقد أطلقت على الحكم والقضاء الإلهي . قال تعالى :
« وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا » .
[ الأعراف ( 7 ) / 137 ]
« كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » .
[ يونس ( 10 ) / 33 ]
وتطلق على ظهور معرفته - تعالى - على قلوب عباده الصالحين . قال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في النهج ، الخطبة / 222 :
وما برح اللّه - عزّت آلاؤه - في البرهة بعد البرهة ، وفي أزمان الفترات ، عباد ناجاهم في فكرهم وكلّمهم في ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة . . .
وقد أطلق على الوحي الصادر من اللّه - سبحانه - إلى أنبيائه بالألفاظ والحروف . فلا ينحصر إطلاق الكلمة في الأمور الخارجيّة العينيّة ، بل ظاهر الإطلاقات بالأوّليّة والأولويّة راجع إلى الكلام اللّفظي . والمتكلّم من أسمائه - تعالى - باعتبار نسبة التكلّم إليه - سبحانه - على سبيل الاشتراك اللّفظي ، ولا جامع بين كلامه - تعالى - وكلام عباده بوجه من الوجوه ، فلا وجه لتأويل الكلام اللّفظي إلى الأعيان الخارجيّة . ولا يبعد أن تكون عناية إطلاق الكلمة على