أقول : الظاهر من تكرار الاصطفاء في الآية الكريمة أنّ اصطفاء مريم عليها السلام على نساء العالمين ليس اصطفاء مطلقا ، فعلى هذا تدلّ الآية الكريمة على اختصاصها بفضيلة خاصّة دون سائر النساء ، ولا تدلّ على كونها أفضل من جميع النساء في جميع الفضائل والمكارم .
قوله تعالى :
« يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ » .
( 43 )
قال في لسان العرب 8 / 133 : ركع : الركوع : الخضوع .
أقول : الآية الكريمة تدلّ على أنّ مريم عليها السلام كانت محدّثة ، تخاطبها الملائكة ، وتأمرها بالقنوت والخضوع والخشوع والسجود في ساحته - سبحانه - مع الخاضعين الّذين يؤمنون باللّه - سبحانه - وتوحيده ، كما أنّ سيّدتنا الزهراء الطاهرة صلوات اللّه عليها كانت محدّثة ، يخاطبها ويكلّمها الرّوح الأمين من وراء الحجاب .
ولها كتاب يسمّى ب « مصحف فاطمة » ؛ وهو من مفاخر مواريث الإمامة عند الحجّة القائم المنتظر عجلّ اللّه - تعالى - فرجه الشريف . وهذا المصحف ليس فيه تشريع منه الحلال والحرام وغيرهما مثل القرآن ، بل هو من قبيل البشارات والأحوال الشخصيّة والإخبار بالغيوب ونظائرها .
قوله تعالى :
« ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ » .
الظاهر أنّ ذلك إشارة إلى قصّة مريم على ما بيّناه . وقد ذكرنا تفسير الغيب في قوله تعالى :
« الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » .
[ البقرة ( 2 ) / 3 ] . وكون قصّة مريم غيبا إنّما هو من جهة أنّه يستحيل الاطلاع عليها ، إلّا بوساطة وحي اللّه - تعالى - إلى أحد من رسله وأنبيائه .
قوله تعالى :
« وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ » .
( 44 )
الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، يقول تعالى : لست حاضرا عند سدنة الكنيسة إذ يقرعون لتحصيل كفالة مريم ، ولست لديهم كي ترى مخاصمتهم واختلافهم في إحراز هذه الكفالة ، وانتهاء الأمر إلى زكريّا عليه السلام .
قوله تعالى :
« إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ » .
ظاهر الآية أنّ هذه البشارة بواسطة جماعة من الملائكة لا جبرئيل فقط .