« ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ » .
فأمور الأنبياء وما كان
« وَما خَلْفَهُمْ »
أي ، ما لم يكن بعد .
أقول : ما كان وما لم يكن بعد كلاهما من جملة الغيوب ، وقد أحصى علمه - سبحانه - جميع ما كان ، وجميع ما لم يكن وهما من الأعدام ، بعبارة أخرى المعلوم عين هذه الحوادث ، ولا حوادث الآن ، فهو - سبحانه - علم وعيان وشهادة بالحقيقة بهذه الحوادث ، ولا حوادث الآن بوجه من الوجوه .
في التوحيد / 135 ، عن أبيه مسندا عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : قلت له :
أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس كان في علم اللّه ؟
قال : فقال : بلى قبل أن يخلق السّماوات والأرض .
قوله تعالى :
« وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » .
حيث إنّ اللّه - تعالى - علم وكشف وعيان بذاته لجميع ما سواه في عرض سواء في شدّة غير متناهية ، كليّاته وجزئياته ، أعيانه وحوادثه ولا معلوم خارجا بوجه ، والذات المقدسة والعلم غير المتناهي آب عن التعيّن والتحديد بشيء من النظامات الموجودة وغيرها ، فلا بدّ من أن يكون المراد من قوله تعالى :
« مِنْ عِلْمِهِ »
هو غير هذا العلم من الصحف النوريّة من العرش والكرسي والكتاب المبين والكتاب المكنون ، الّتي هي علم وانكشاف حقيقيّ . وحمّل اللّه - تعالى - ذلك العلم لعدّة خاصّة من أوليائه الصالحين .
قوله تعالى :
« وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » .
لا يخفى عند أولي الألباب أنّ كرسيّه - تعالى - الّذي وسع السّماوات والأرض ليس هو الكرسي المصنوع من الخشب أو الحديد أو الذهب والفضّة . وسعته تكون من باب إحاطة العلم والعيان أو من باب إحاطة القدرة والسلطان ، وبديهيّ أنّ إحاطة القدرة بشيء إنّما تكون بإحاطة العلم بذلك الشيء .
وحيث إنّ قوله تعالى :
« يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ »
تمجيد له - تعالى - بالعلم ، وقوله تعالى :
« وَسِعَ كُرْسِيُّهُ . . . »
متّصل به وواقع في سياقه ، فله ظهور قويّ في أنّ المراد من الكرسي هو العلم ، ومن سعته هو إحاطته بالسّماوات والأرض .