والإيمان أحبّ عندي من الكفر ، والحال أنّه ليس في طرف النار والكفر حبّ أصلا .
ثمّ إنّ المحبّة الّتي في أنفسنا أمر وجداني لا ينكر . وكذا لا ينكر أنّ هذه المحبّة تختلف باختلاف متعلّقها وأكثرها تنحلّ إلى أمر مادّيّ وليس بأمر مقدّس عن المادّة ، نعم ، في بعضها نوع خفاء مثل تحنّن الوالدة على ولدها .
وأمّا محبّة العباد بالنسبة إلى اللّه سبحانه فليس من المادّة فيه شيء . وإنّما هي عند التحليل ترجع إلى معرفته تعالى بآياته ونعمائه وأياديه . وهو فعل اللّه لعبده بالرأفة والحنان ، فحبّهم اللّه تعالى منزّه عن المادّة وأمر له حقيقة جدّا غير قابل للتحليل والتجزئة ، مقدّس عن الكيف والأين ، فإنّه فعل اللّه ورحمته وفضله لعباده .
قوله تعالى :
« وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ » .
قال في التبيان 2 / 64 : وجواب لو محذوف كأنّه قيل : لرأوا مضرّة اتّخاذهم للأنداد ، ولرأوا أمرا عظيما لا يحصر بالأوهام .
أقول : الظاهر أنّ المراد من الظّالمين هم متّخذوا الأنداد ، الّذين لم يرتدعوا في الدّنيا بكلمة علم وقول عدل ، وأصرّوا على طاعتهم للأنداد . ومفعول قوله تعالى :
« وَلَوْ يَرَى »
قوله تعالى :
« أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً » ،
وجواب لو محذوف . فالمعنى : ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعا ليروا ويعرفوا ويعلموا أنّه م المخذولون وحقّ عليهم الخذلان والهوان والخزي والنكال من اللّه سبحانه .
قوله تعالى :
« إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ » .
هذا نصّ في أنّ التابعين والمتبوعين كليهما من أولي العقول لا الجمادات من الوثن والصنم ؛ وقد أخبر اللّه تعالى عن تخاصمهم وتنازعهم في موارد من القرآن قال تعالى :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ » .
[ فصّلت ( 50 ) / 28 ]
و
« قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ » .
[ ق ( 50 ) / 28 ]