ربّهم عليهم من إيمان ومن عمل صالح يرضيه ، دون أن تكفّها بالتّسليم التّامّ للّه في تدبيرات كونه ، والتّسليم التامّ لحكمته في قضائه وقدره ، واعلم بأنّه عليم بكلّ ما يصنعون من أعمال ظاهرة وباطنة ، في أجسادهم وفي نفوسهم ، وأنّ هذه الأعمال من آثار إراداتهم الحرّة .
أو : فيا حامل الرّسالة الرّبّانيّة ، لا تعمل على إذهاب نفسك من الحياة فتذوق بذلك الموت ، بسبب توالي الحسرات والأحزان الشديدة عليها ، من أجلهم إذ لم يؤمنوا ولم يعملوا صالحا ، بل قابل حكمة اللّه في مقاديره وتدبيراته بالتّسليم التّام ، ولو كان من اختار لنفسه الكفر والعصيان من أقرب النّاس إليك رحما أو ولاء ، واعلم بأنّ اللّه عليم بما يصنعون بإراداتهم الحرّة من أعمال ظاهرة وباطنة في أجسادهم وفي نفوسهم .
إنّ الحياة الدّنيا حياة ابتلاء كاشف لإرادات الموضوعين فيها موضع الامتحان ، وإراداتهم فيها حرّة غير مجبورة ، ثم يكون في الحياة الأخرى الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء الرّبّاني بالعدل لمستحقيه ، أو بالفضل لمستحقيه .
بهذا قضت حكمة اللّه في خلق النّاس .
ولمّا كانت أحكام اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - الّتي يفصل بها بين عباده يوم الدّين بالضّلال أو بالهداية ، لا بدّ أن تكون مستندة إلى علمه الشّامل الّذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من مكتسباتهم الإرادية ، الظاهرة والباطنة ، الجسديّة والنفسيّة إلّا أحصاها إحصاء تامّا ، قال اللّه عزّ وجلّ في آخر الآية ( 8 ) :
. . . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ .
يَصْنَعُونَ :
أي : يعملون .
وقد جاءت هذه الجملة بمثابة جواب سؤال مطويّ ، يثيره كون اللّه