الدّين ، بعد المحاسبة على المكتسبات الإراديّة للموضوعين في الحياة الدنيا موضع الابتلاء ، كان من المناسب في البيان القرآنيّ كشف أنّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، سوف يحكم يوم الدّين ، في الموقف الذي يحكم فيه بين العباد ، على الفريق الّذي ضلّ في الحياة الدّنيا بالضّلال ، وعلى الفريق الّذي اهتدى بالهداية ، ويكون هذا بمحض مشيئته الحكيمة القائمة على الفضل والعدل ، دون أن يكون على مشيئته الحكيمة سلطان ما من غير صفات كماله جلّ جلاله .
وبناء على أنّ الحكمة تقتضي نفي التّساوي بين المجرمين والمسلمين رتّب اللّه عزّ وجلّ عليه قوله :
. . فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ . . :
أي : يحكم في محكمة يوم الدّين على من ضلّ في رحلة امتحانه بالضّلال ، فيضلّه بمشيئته القضائيّة الّتي لا سلطان عليها من غير ذات اللّه وصفاته ، لكنّه سبحانه وتعالى لا يحكم بمشيئته المطلقة الحكيمة على من ضلّ إلّا بالعدل ، فلا يظلم أحدا مثقال ذرّة .
ويحكم في محكمة يوم الدّين لمن اهتدى في رحلة امتحانه بالهداية ، فيهديه بمشيئته القضائيّة الّتي لا سلطان عليها من غير ذات اللّه وصفاته ، لكنّه بمشيئته المطلقة الحكيمة لا يحكم لمن اهتدى إلّا بالهداية ، على مقدار الدّرجة الّتي بلغها قبل موته ، فيجعله مشمولا بالعدل والفضل معا ، ولا يظلم ربّنا في حكمه أحدا مثقال ذرّة .
وحكم اللّه عزّ وجلّ يكون لكلّ فرد بما يلائم ما كسب وما اكتسب من خير أو شرّ ، ولا يكون حكما جماعيّا ، بدليل ما سيأتي في السّورة من بيان أنّه لا تزر وازرة وزر أخرى .
القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
. . . فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ
خطابا لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلكلّ