التدبّر :
قول اللّه عزّ وجلّ :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 2 ) .
جاء في هذه الآية إطلاق فعل « يفتح » للدّلالة على معنى إجراء النّعم الرّبّانيّة بالتّتابع مع الزمن ، لأنّ فتح سدود مجاري النّعم يجعلها تتدفّق شطر من هي موجّهة له ، فينتفع بها ، ويقضي منها أوطاره لدنياه أو لآخرته .
ويمكن بالتحليل أن نقول : شبّه إجراء النّعم بالتتابع مع الزّمن بفتح سدود وأبواب مجاري المياه ، لمن ينتفع بها على التوالي .
فعطاءات اللّه عزّ وجلّ من نعمه تأتي غالبا على سنّة الجريان المتتابع ، نظير جريان الكهرباء في الأسلاك ، لإضاءة المصابيح الكهربائية ، وعمل الآلات التي تستمدّ قوت عملها من الكهرباء ، ولا تأتي عطاءات اللّه من نعمه في الغالب على سنّة العطاء دفعة واحدة ثمّ تنقطع ، والحكمة من هذا أن يظلّ العبد المؤمن مرتبطا بربّه دواما ، يلاحظ عطاءاته المتواليات ، فيتابع هذه العطاءات بالحمد والشّكر ، ويكون دائم الدّعاء والالتجاء إليه ، شاعرا بدوام افتقاره إليه ، وخاضعا له يعبده وحده لا شريك له .
*
لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ :
أطلقت الرّحمة الّتي هي صفة من صفات اللّه النفسيّة على وفق ما يليق به - جلّ جلاله وعظم سلطانه - وأريد بإطلاقها آثارها في المخلوقين المرحومين .
وجاء ذكر الناس بالتّعيين ، مع أنّ آثار رحمة اللّه عزّ وجلّ ليست قاصرة عليهم ، لأنّهم في هذا الدرس من دروس السورة هم المقصودون بالبيان لإقناعهم .