وما يمسكه اللّه من شيء ما عن عبد من عباده فلا مرسل له ، لأنّه هو جلّ جلاله العزيز الغالب على أمره .
* * *
قول اللّه عزّ وجلّ :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ .
( 3 )
*
يا أَيُّهَا النَّاسُ :
ينادي اللّه عزّ وجل النّاس بأداة النّداء الموضوعة لنداء البعيد ، مع أنّه جلّ جلاله أقرب إليهم من حبل الوريد ، للإشعار بأنّ أكثر النّاس قد أبعدوا نفوسهم عن اللّه ربّهم ، في تصوّراتهم ومكتسبات قلوبهم ونفوسهم وسائر جوارحهم ، فكان من المناسب بلاغيّا أن ينادوا بأداة النّداء الموضوعة لنداء البعيد .
نادى اللّه عزّ وجلّ النّاس بأن يذكروا نعمة اللّه عليهم في أجهزة التّذكّر التي منحهم إيّاها ، وفي ألسنتهم الّتي تساعد ذاكراتهم على التذكّر دواما ، بعد أن أبان لهم في الآية السابقة أنّ كلّ ما يتقلّبون فيه من نعم ظاهرة وباطنة ، هو من عطاء اللّه لهم ، لا يشاركه في خلقه وتدبيره إرسالا ولا إمساكا شريك ما ، لأنّ كلّ ما سواه جلّ جلاله لا يملك شيئا من ذلك ، إذ المخلوق لا يملك إلّا ما ملّكه اللّه ، وكلّ ما سوى اللّه مخلوق له جلّ جلاله وعظم سلطانه .
*
اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ :
أي : أحضروا في ذاكراتكم آنا فآنا نعمة اللّه عليكم ، ونعلم أنّ من وسائل هذا الإحضار الذكر اللّسانيّ ، والتّفكّر في آلاء اللّه في نفوسنا وفي الكون من حولنا ، ليكون هذا التذكر باعثا لنا على حمده وشكره ، وعدم الاعتراض على مجاري حكمته في تصاريفه .