عقب قتلهم الرّجل منهم دون فاصل زمنيّ كبير ، وذلك لأنّ الخمود يستعمل لانطفاء النّار ، وتحوّلها فحما أو رمادا ، فدلّ استعمال الخمود هنا على أنّ لهيب غضبهم الّذي جعلهم يقتلون رجلهم الناصح لهم ، لأنّه نصر المرسلين لم ينطفئ بقتلهم له ، لكنّه خمد بإهلاكهم ، إذ صاروا جميعا هم ونيران غضبهم الثّائر خامدين ، كفحم ملتهب انطفأ دفعة واحدة بصورة مفاجئة دلّت عليها « إذا » الفجائيّة ، في عبارة :
فَإِذا هُمْ خامِدُونَ .
وبيانا لوسيلة إهلاكهم ذكر اللّه عزّ وجلّ أنّه لم ينزل لإهلاكهم جندا من ملائكة السّماء ، أي : كما أنزل لإهلاك قوم لوط عليه السّلام ، أو غيرهم من الّذين أهلكهم بإنزال جند من السماء . وذكر جلّ جلاله أنّ حال هؤلاء القوم ما كان يقتضي أن يهلكهم اللّه إلّا بالصّيحة الممبتة لهم ، فقال تبارك وتعالى :
* وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ
( 29 ) .
وفي هذا دفع لتزيّدات المتزيّدين ، وتحديد قد يفيد يوما ما في معرفة المراد بالقرية ، الّتي جاء ذكرها في هذه القصّة القرآنيّة ، لاحتمال أن تكون الصيحة قد أهلكت كفّار القرية ، ولم تغيّر شيئا من معالمها ومبانيها ، واللّه أعلم .
ولعلّ في هذا إشارة إلى أنّ مكّة لو قضت حكمة اللّه بأن يهلك كفّارها يومئذ ، فلن يهلكهم إلّا بالصّيحة ، تكريما وصيانة للبلد الأمين .
* * *