والتّذلّل واعتقاد القدرة على التّصرّف في الغيبيّات ، فلا يسألون لمطالب دنياهم أو آخرتهم مع اللّه إلها آخر .
وهذا الوصف هو من حقوق مرتبة المتّقين ، ولكن لمّا كانت شروط مرتبة المتّقين كلّها شروطا أساسيّة لمرتبة الأبرار ولمرتبة المحسنين ، وعباد الرّحمن هم من الأبرار أو المحسنين ، كان من الحكمة التّنبيه على الكلّيّات الكبرى المطلوبة لمرتبة المتّقين ، ضمن صفات عباد الرّحمن الّذين ارتقوا فوق مرتبة المتّقين ليكونوا أئمّة لهم ، باعتبار أن شروط المرتبة الأدنى هي شروط طبيعيّة للمراتب الّتي فوقها .
وقد يزيد « عباد الرّحمن » من مستوى حذرهم من الشّرك الخفيّ ، الّذي ربّما يقع به بعض المتّقين وهم لا يشعرون .
لقد عرفوا أنّه لا خالق في الوجود إلّا اللّه ، ولا رازق إلّا اللّه ، ولا محيي إلّا اللّه ، ولا مميت إلّا اللّه ، ولا شافي ولا متصرّف في الكون كله إلّا اللّه ، فآمنوا به إيمانا خالصا صادقا ، وعلّقوا قلوبهم به وحده .
إنّهم نظروا إلى ظواهر نظام الكون ، فعرفوا أنّ كلّ مؤثّراتها أسباب تخضع للمهيمن العزيز الجبّار ، فلا تؤثّر إلّا بإذن اللّه ، وأنّه هو الّذي وضع فيها خصائصها وصفاتها ، ويمدّها دواما بما به تؤثّر ، أو أسبابها أسباب في الصّورة ، وهي في الحقيقة لا تملك تأثيرا ، إنّما يجري اللّه مقاديره من خلالها ، فيجعلها عند مظهر التّأثير تؤثّر بأمره وخلقه المسبوق بقضائه وقدره وتدبيره ، وهذا ما تدلّ عليه نصوص متعدّدة إذا تدبّرناها ببصيرة متعمّقة .
وعرف « عباد الرّحمن » أنّ الإنس والجنّ لو اجتمعوا على أن ينفعوا أحدا بشيء لم ينفعوه إلّا بشيء قد كتبه اللّه له ، ولو اجتمعوا على أن يضرّوا أحدا بشيء لم يضرّوه إلّا بشيء قد كتبه اللّه عليه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 632
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٣٢