تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
ولمّا كان الظّلّ في الأرض يتبع حركة دوران الأرض حول نفسها باتّجاه الشّمس ، كان من مظاهره أنّه بعد غروب الشّمس يكون الظّلّ ممتدّا شاملا ، ويشتدّ قليلا قليلا ، ثم يبدأ بالوضوح بعد الفجر شيئا فشيئا ، فإذا أشرقت الشّمس أخذ الظّلّ مع حركة دوران الأرض ينقبض شيئا فشيئا ، فيزيد الضّحّ ويقلّ الظّلّ ، وعند وصول الشمس إلى وسط السّماء تماما لا يبقى في الأرض إلّا أقلّ الظّلّ ، ثمّ يفيء الظّلّ إلى جهة الشّرق شيئا فشيئا ، حتّى يكون عند الغروب ممتدّا شاملا . ونلاحظ أنّ اللّه عزّ وجلّ يخاطب بالخطاب الإفراديّ كلّ ذي فكر يتفكّر وكلّ ذي بصر ينظر ، من الّذين يدعوهم لمشاهدة آياته في كونه فيقول تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ :
أي : كيف مدّ الظّلّ على وجه الأرض ، حتّى ترى معه الأشياء دون انزعاج بأشعّة الشّمس المباشرة . وجاء الاستغناء بعبارة : [ مدّ الظلّ ] عن مقابلها وهي : تقليص الظّلّ .
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً :
أي : ولو شاء ربّك لجعل الظلّ ثابتا دواما غير متحرّك ، ويكون ذلك بجعل نظام الأرض والشّمس على وضع آخر يبقى معه الظّلّ على الأرض دائما ساكنا لا يتحرّك . ولكنّه سبحانه لم يشأ ذلك ، لأنّ حكمته في نظام الحياة الدّنيا قد قضت ذلك ، فجعلت حاجات كثيرات للنّبات والأحياء والأشياء مرتبطة بوصول أشعّة الشّمس إليها ، ضمن النّظام الّذي وضعه لها .
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا :
أي : ثمّ بعد مدّ الظّلّ طوال ليل كامل تشرق الشّمس ، فتدلّ على أنّ الّذي كان على الأرض من انكشاف مختلف النّسب ، منذ بدء الغروب حتّى الشّروق ، إنّما كان من قبل أشعّة الشّمس الّتي تنعكس أضواؤها على الأرض مرتدّة من جهات الأفق .