للتالي ، ولا تكون حرف عطف إلّا بشرطين : أن يكون معطوفها مفردا لا جملة . وأن تسبق بإيجاب أو أمر أو نفي أو نهي .
و « بل » في النّص هنا هي الابتدائية ، لا العاطفة ، وهي حرف لا محلّ له من الإعراب ، والإضراب فيها إضراب إبطال لما قبلها وإثبات لما بعدها ، لا إضراب انتقال من غرض إلى غرض فيما أرى .
قد يسهل على الناظر دون تعمّق أن يقول : هي للانتقال من غرض إلى غرض آخر ، وينتهي بذلك البحث لديه ، ولا يفكّر في روابط النصّ الفكريّة .
ولكنّ المتدبّر لما جاء قبلها يلاحظ أنّ الكافرين المتحدّث عنهم ، قد جادلوا في الرّسول ، وفي كون القرآن من عند اللّه ، وطرحوا بأقوالهم تشكيكات مختلفات حول الرسول ، وحول القرآن ، فزعموا أنّ البشريّة تتنافى مع النبوّة والرّسالة ، وزعموا أنّ القرآن قد افتراه محمّد ، وزعموا أنّه أساطير الأوّلين اكتتبها ، فهل كانوا حقيقة شاكّين من عمق أفئدتهم في صدق الرسول ، الذي يعرفون صدقه وأمانته وأنّه على خلق عظيم ، ويعلمون كمال عقله وفطنته ؟ وهل كانوا حقيقة يتصوّرون أنّ القرآن أباطيل ، أو أنّه منقول عن كتب أهل الكتاب الأول ؟ أم كانوا يتظاهرون بهذه التعلّلات مماراة جدليّة فقط ، وهم غير مقتنعين بأنّ ما يطرحونه قول سديد ، أو شكوك حقيقية ينبغي أن تزال حتّى يؤمنوا بالرسول وبالقرآن ؟
الواقع أنّ ما كانوا عليه قد كان من قبيل المماراة الجدليّة فقط ، وليس لديهم قناعات بما يقولون .
إذن : فالإضراب بحرف « بل » بعد هذا يكون معناه الإبطال ، لا مجرّد الانتقال من غرض إلى آخر .
والمعنى : ليسوا مقتنعين بما قدّموا من تعلّلات ، وتشكيكات ،
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 388
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٨٨