بالحكمة والنّصح والإرشاد والتذكير ، وبعد الترغيب بالسعادة العاجلة والآجلة ، لمن استجاب فآمن وأسلم وأطاع ، كان ذكر الإنذار الذي يكون في آخرها بحسب سلسلة الترتيب الطبيعيّ ، دليلا عليها عن طريق تتبّع اللّوازم العقلية ، فهي من المطويات في الآية ، والتي تدلّ عليها دلالة عقليّة عبارة :
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً .
أي : ليكون للعالمين مبلّغا ، ومبيّنا ، وشارحا ، ومتّخذا وسائل الإقناع بالحكمة والنّصح والإرشاد والتذكير ، وواعظا بالترغيب بالسّعادة العاجلة والآجلة ، لمن استجاب لدعوة الحقّ الرّبانيّة ، فآمن وأسلم وأطاع واتّبع رضوان اللّه باتّباع رسوله .
ثم ليكون نذيرا بعذاب اللّه يوم الدّين ، مع احتمال عذاب معجّل في الدنيا ، لمن عاند مكابرا جاحدا ، متّبعا أهواء نفسه وشهواتها من زينات الحياة الدنيا ، ومؤثرا العاجلة على الآجلة ، ومتّبعا خطوات الشيطان وجنوده من الجنّ والإنس ، ومستجيبا لوساوسهم وتسويلاتهم .
التدبر التحليلي :
قول اللّه تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
( 1 ) :
تَبارَكَ :
على وزن « تفاعل » من البركة ، والبركة في اللّغة : هي النّماء والزيادة ، سواء أكانت مادّيّة تدرك بالحواسّ الظاهرة أم غير مادّيّة ممّا يدرك بالحواس الباطنة ، وقال الزجاج : البركة هي الكثرة من كلّ خير .
أقول : البركة وكلّ تصاريف هذه المادّة في نصوص القرآن والسنّة تدلّ على الزيادات التي تأتي من وراء المنظور ، دون أن تدرك لها حدود ، فهي فيض من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، أو زيادات في عالم الغيب بلا حدّ .