الشروط ، تنبت من جديد ، وتعود إلى الحياة والنّماء والعطاء والإثمار من جديد .
فمن جعل النّبات الّذي مات وفني يعود إلى الحياة من بقايا بزوره في الأرض ، هل يعجز عن إعادة الأحياء البشريّة وغيرها إلى الحياة ، من بقايا تخلّفها ، كنواة صغرى في عجب الذّنب ، قد تجتمع ملايين منها على رأس إبرة دقيقة ؟ !
هذا ما اختاره اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - في نظام خلقه لإعادة الأحياء .
إنّ اللّه العليّ العليم الحكيم القدير ، لا يعجز عن ذلك ، ولا يعجز أيضا عن إعادة الأحياء إلى الحياة بعد الموت ، ولو انعدمت كلّ بقاياها ، ولو لم يبق من ذرّات الحيّ ذرّة واحدة تحمل خريطة صفاته ، أو تحتوي على عوامل انفلاقه إلى الحياة مرّة أخرى .
لقد خلق اللّه عزّ وجلّ الأحياء أوّلا على وفق قدره وقضائه السّابقين فيها ، وقدره وقضاؤه مشمول بعلمه المحيط بكلّ شيء ، وعلمه جلّ جلاله قد أثبته في اللّوح المحفوظ .
فإذا شاء أن يعيد أيّ كائن بعد انعدامه ، فإنّه يعيده كما خلقه في المرّة الأولى ، مطابقا لقدره وقضائه ، وهو جلّ جلاله يعيده بأمر التكوين ، يقول له : « كن » فهو يكون ، وهذا بالنسبة إلى خالق الكون كلّه ، وربّ السّماوات والأرض أمر يسير سهل .
لكن قضى اللّه بحكمته أن يجعل لإنشاء الخلق وإعادته نظاما ، وأن تكون سنّته في الخلق ملتزمة بالنظام الّذي وضعه لنفسه ، ليسهّل على عباده موضوع الإيمان بالبعث ، حينما يشاهدون تكرار حياة الأرض بعد موتها ، تفجّرا من البزور الّتي تخلّفها الأشجار وسائر نباتات الأرض .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 103
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٠٣