على أهلها وسكّانها من الاستعمالات الشائعات في العربيّة وغيرها . ويسمّي علماء البلاغة هذا الإطلاق مجازا مرسلا ، وهو من إطلاق المحلّ وإرادة الحالّ فيه ، فيقال عن مدينة شاع في أهلها الفجور مثلا : المدينة الفاجرة ، أو المدينة العاهرة ، ونحو هذا .
« كم » اسم يقع على العدد بمعنى « كثير » وتسمّى : « كم الخبريّة » للتفريق بينها وبين « كم الاستفهامية » .
ولإبهامها ودلالتها على عدد مجهول الجنس كانت مفتقرة إلى التّمييز ، ومميّزها مجرور بعدها ، ويجوز دخول حرف الجرّ « من » عليه للتأكيد .
و « كم » مبتدأ ، خبره جملة
أَهْلَكْناها .
أَهْلَكْناها :
أي : أفنيناها ، واستأصلناها ، أصل الإهلال في اللّغة الإماتة ، ويقع على إفناء الأشياء واستئصالها .
والمراد بقوله تعالى :
أَهْلَكْناها
أردنا إهلاكها ، فقضيناه ، إذ استحقت الإهلاك ، وبعد ذلك يأتي إصدار الأمر التنفيذي بإهلاكها ، وهذا من الاستعمالات الشائعات ، وله نظائر كثيرة في القرآن ، وفي استعمالات الناس ، بالنسبة إلى كلّ أمر قد صار متحقّق الوقوع في المستقبل .
فمن ارتكب جريمة يستحقّ عليها القتل ، ووقع في قبضة الحاكم الّذي ينفّذ الأحكام بالعدل ، قال الناس بشأنه : قتلته جريمته ، ولو لم يكن قد قتل بعد ، نظرا إلى أنّه صائر إلى ذلك بحسب العادة ، فكيف إذا كان الأمر حتميّ الوقوع ، كقضاء اللّه وأوامره التنفيذيّة ؟ !
ومن أطلق قذيفة بتسديد محكم ، يقال بشأنه : لقد أصاب الهدف ، ولو لم تصل بعد قذيفته .
ودلّنا على أنّ هذا المعنى هو المعنى المراد في الآية ، ترتيب أحداث