كلّ هذه المعاني قد فتح لنا أبواب إدراكها قول اللّه عزّ وجلّ في الآية :
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ .
قيمة التذكّر وأثره في السّلوك :
ولمّا كان الّذي يحرّك شيئا ما من جوانب النفس إقبالا أو إدبارا بعاطفة من العواطف ، أو انفعال من الانفعالات ، ويحرّك إرادتها ، ويدفعها لتصرّف من التصرّفات ، أو عمل من الأعمال ، لا بدّ أن يمرّ في ساحة التذكّر الحاضر ، كان من الحكمة في البيان القرآنيّ التّنبيه على قضيّة التذكّر للمعارف والقضايا الدينيّة .
فالّذين لا يتذكّرون هذه المعارف والقضايا لا يعملون بمقتضاها ، والّذين يقلّ تذكّرهم لها ، يقلّ عملهم بها ، والّذين يكثرون من تذكّرها يكون عملهم بمقتضاها أرجى وأكثر ، لأنّ التذكّر يثير دوافع النّفس ، ويحرّك مطالبها ورغائبها .
الهمّ لا يحييه في النّفس إلّا التذكّر ، أمّا النسيان فيمحوه .
والعشق لا يوقد لهبه في النفس إلّا التذكّر ، أمّا النسيان فيطئفه .
والحقد لا يثير بركانه في القلب إلّا التذكّر ، أمّا النسيان فيطويه ويميته .
والحسد لا يثيره إلّا شغل ساحة التصوّر والتذكّر بمراقبة نعمة اللّه على المحسود ، أمّا النسيان فيصرفه عن القلب ، فلا تتحرّك النفس به ، فتنعدم الرّغبة في كيد المحسود أو ضرّه أو إيذائه ، أو تمنّي زوال نعمته ، أو تمنّي الحصول على مثل ما أنعم اللّه به عليه من زينة الحياة الدنيا وزخرفها .
ويأنس الصّديق ويسرّه أن يكون في ذاكرة صديقه دواما أو أحيانا ، لذلك فهو يفرح بما يدلّ على هذا التذكّر ، كهديّة رمزية ، أو رسالة ، أو