تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
طبع على قلوب المهلكين من أهل القرون السّالفة ، بسبب كفرهم الّذي تمكّن من أفئدتهم ، فحجب قلوبهم عن كلّ أنوار الهداية ، يطبع اللّه عزّ وجلّ بقانونه القدريّ العامّ على قلوب سائر الكافرين ، الّذين تصل أحوالهم إلى مثل أحوال المعذّبين المهلكين السابقين ، الّذين طبع اللّه على قلوبهم ، فقانون اللّه في عباده واحد ، وسنّته ثابتة لا تتبدّل . الممتحنون الآخرون من النّاس ، كالممتحنين الأوّلين منهم ، وسنّة اللّه في عباده الآخرين ، كسنّته في عباده الأوّلين ، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا ، ولن تجد لسنّة اللّه تحويلا . * قول اللّه تعالى :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
( 102 ) : أي وما وجدنا لأكثر الفريق الّذين آمنوا واتّبعوا الرّسل ، والّذين ورثوا الدّين عنهم وكانوا خلفاءهم ، وعاهدوا على الإسلام والطّاعة ، ما وجدنا لأكثرهم من وفاء والتزام بعهدهم الّذي عاهدوا اللّه عليه ، بإعلانهم الإسلام والطّاعة . ونؤكّد أنّنا وجدنا بالاختبار والامتحان الطويل أنّ أكثر هؤلاء فاسقون ، أي : خارجون عن الطاعة ، عاصون مذنبون ، إذ لم يلتزموا بالوفاء بما عاهدوا اللّه عليه . [ إن ] من
وَإِنْ وَجَدْنا
هي المخفّفة من الثقيلة ، وتفيد التوكيد ، والتحقيق ، كما تفيد « قد » . واللّام في :
لَفاسِقِينَ
هي اللّام المزحلقة والفارقة بين « إن » النافية ، وبين « إن » المخفّفة من الثقيلة ، وهذه اللّام تفيد التوكيد أيضا . والتعبير بنفي الوجود في عبارة :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ
يفيد أنّهم لم يكن منهم وفاء بما عاهدوا اللّه عليه ، لأنّ اللّه جلّ جلاله محيط بكلّ شيء علما ، ولو كان هذا الوفاء بالعهد منهم موجودا لوجده اللّه وعلمه ، فعدم علم اللّه به دليل قطعيّ على عدم وجوده لديهم .