تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣

الرّبط بموضوع السورة :

هذا الدرس الخامس من دروس السورة ، مرتبط بالآية الثالثة من الدرس الأول من دروسها ، وهي قول اللّه عزّ وجلّ فيها :
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ .
( 3 ) وقد سبق أن عرفنا أنّ مضمون هذه الآية يمثّل الخطّ الأعظم الّذي سارت عليه أكثر آيات السّورة ، ومعظم فقراتها ودروسها . لقد جاء في هذه الآية قول اللّه عزّ وجلّ :
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ،
واختير فيها من أسماء اللّه جلّ جلاله اسم « ربّ » إعلاما بأنّ ربوبية اللّه لعباده هي الصّفة الجامعة لكل أسماء اللّه الحسنى المتعلّقة بمخلوقاته جلّ وعلا . إنّ اللّه جلّ جلاله هو الرّبّ الخالق المصوّر المنشئ خلقه وفق سنّة التربية ، والمتابع لما خلق مع كلّ أزمان وجوده بأنواع التربية المختلفة ، التي هي الإنشاء المتدرّج ، والمتابعة الدّائمة مع كلّ أصغر وحدة زمنيّة ، حتّى آخر وجود المخلوق ، إذا كان لوجوده نهاية ، أو مع كلّ أزمان إيجاده إذا لم يكن لإبقائه في الوجود نهاية . ولمّا كانت ذات الرّبّ غير مشهودة بالأبصار ، ولا مدركة بالحواسّ الظّاهرة ، كانت الحاجة ماسّة للتّنبيه على آياته الدّالّات عليه في الكائنات التي هي خلق من خلقه ، وخاضعة دواما لسلطان ربوبيّته وإمداداتها وعطاءاتها ، ولولا أنّه جلّ جلاله وعظم سلطانه يمدّها بالتّعهّد والتربية دواما ، لما بقيت في الوجود ، ولعادت لأصلها وهو العدم ، فاللّه تبارك وتعالى هو الّذي يمسك السّماوات والأرض بعطاءات ربوبيّته دواما ، لتبقى في الوجود هي وكلّ أجزائها وصفاتها ، ولو رفع اللّه عنهما الإمساك في الوجود لعادتا إلى أصلهما وهو العدم ، ولئن زالتا فلن يوجد بعد اللّه جلّ جلاله أحد يوجدهما ويمسكهما .