إنّ هذه الآيات الرّبانيّة ذات وظيفة دنيويّة للنّاس ، وذات وظيفة دينيّة لهم ، إذ تهدي أولي الألباب منهم ابتداء إلى ما فيها من دلالات إيمانية ، على طائفة جليلة من صفات الرّبّ خالقها والمهيمن عليها دواما بربوبيته ، ثم إلى الإيمان بيوم الدّين وتصديق المرسلين المؤيّدين منه بالمعجزات الباهرات . وتذكّر دواما بما دلّت عليه ابتداء .
هذا ما دلّت عليه عبارة :
تَبْصِرَةً وَذِكْرى .
فالتبصرة : هي التعليم والتفهيم ابتداء ، لمن يدرك دلالاتها ، يقال لغة :
بصّره الأمر تبصيرا وتبصرة ، أي : أفهمه إيّاه ، وعرّفه به وأوضحه له .
والتّبصّر : التأمّل والتعرّف . والتّبصير : التعريف والإيضاح .
وهكذا آيات اللّه في كونه ، تعلّم وتفهّم أولي الألباب ، الذين يرجعون إليها متفكّرين متدبّرين .
والذّكرى : التذكير بالشيء ، يقال لغة : أذكره إيّاه ، وذكّره ، والاسم من هذا « الذّكرى » .
وآيات اللّه في كونه تكون مشاهداتها المتكرّرات بعد التعليم الأوّل ، ذكرى ، أي : تذكيرا متكررا بما سبق أن علّمته أوّلا .
مع ما في آيات اللّه الكونية من تجديد تعليميّ ، وذلك أن المتفكّر اللّبيب كلّما كرّر نظره إلى آيات اللّه الكونيّة بإمعان استفاد علما جديدا لم يكن قد توصّل إليه بالمشاهدات السّابقات ، وهذا الأمر يظهر بجلاء لأهل البحث العلمي ، الذين يتعمّقون في دراسة الظواهر الكونيّة ، وكلّما اكتشف هؤلاء جديدا زادهم هداية لاستبصار مدهش يتعلّق بصفات جليلة من صفات الخالق البارىء المصوّر الحكيم ، الذي أتقن كلّ شيء صنعا .
ولكن من الّذي ينتفع بالتّبصرة وبالذّكرى ؟