والتبصير : التعريف والإيضاح ، والتبصّر التأمّل والتعرّف . وآيات اللّه في كونه تعرّف بصفات خالقه ومتقنه ومحكم أمره ، وهي تعلّم دواما من لم تكن قد علّمته ، وتهدي من تفكّر فيها إلى إدراك صفات اللّه جلّ جلاله ، ففيها تبصرة .
وبعد التّبصرة التعليميّة تكون مشاهدتها المتكرّرة ذكرى أي : تكون تذكيرا متكرّرا بما دلّت عليه في التعليم الأول .
وكلّما شهد المتفكر المتأمّل آيات اللّه في الكون ، تعلّم منها أشياء جديدة ، زادته معرفة بحقائق عن خالقها ومبدعها ، وذكّرته بما كان قد عرفه منها سابقا ، فتكون له بذلك تبصرة وذكرى .
ذكرى : في اللّغة كالذّكر ، بمعنى التذكّر الذي هو ضدّ النسيان .
وبمعنى التذكير بالشيء ، تقول لغة : أذكره إيّاه وذكّره ، والاسم من ذلك :
« الذّكرى » .
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ،
أي : لكلّ عبد يرجع إلى آيات ربّه بالتفكّر حينا فحينا بصفة متكرّرة ، فتكون له تبصرة بالتفكّر الأوّل ، وذكرى بالتفكرات اللاحقات .
منيب : اسم فاعل من فعل « أناب ينيب » أي : رجع يرجع ، واسم الفاعل يشبه الفعل المضارع في المعنى ، يدلّ على الحال والاستقبال والتكرار « 1 » .
وبعد توجيه الأنظار إلى ثلاث آيات من آيات اللّه الكونيّة في السّماء ، وثلاث آيات أخرى من آيات اللّه في الأرض ، جاء في النصّ التنبيه على
هامش
( 1 ) هذا ما وضح لي في الاستعمالات القرآنيّة ، ولم أر فيها أنّ دلالة اسم الفاعل على الاستقبال دلالة مجازيّة ، بل هي دلالة حقيقيّة من أصل الوضع ، مثل : [ وما كانوا مؤمنين ] أي : وما كانوا مستعدّين لأن يؤمنوا متسقبلا فأهلكهم اللّه .