ولمّا صار اختيارهم بإراداتهم سبيل الهدى أمرا ميؤوسا منه ، فلا أحد منهم لديه استعداد لأن يستجيب لدعوته ، وعلم اللّه ذلك فيهم ، قضى جلّت حكمته وعظم سلطانه أن يهلكهم إهلاكا جماعيّا عامّا .
فبعث اللّه من رسله من الملائكة من يعذّبهم ويهلكهم ويقلب بلادهم عاليها سافلها . وأمرهم بأن يمرّوا بإبراهيم عليه السّلام مبشرين إيّاه بإسحاق من زوجته العاقر سارة ، ومبيّنين له أن اللّه سيصلحها للحمل والولادة ، ومبلّغين إياه بما كلّفهم اللّه إياه من إهلاك قوم لوط ، باعتباره شيخ النبوّة والرّسالة في زمانه ، وباعتبار لوط موجها بقيادته إلى أهل سدوم . وحاول إبراهيم عليه السّلام أن يسأل ربّه إمهالهم ، فقالوا له : يا إبراهيم أعرض عن هذا إنّه قد جاء أمر ربّك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود .
وكان الملائكة قد جاءوا إبراهيم بصورة ضيوف ، ولمّا لم يمدّوا أيديهم إلى ما أعدّ لهم من طعام ، أوجس منهم خيفة ، عندئذ كشفوا له عن حقيقة أمرهم ، وبشّروه وبلّغوا .
ثم ذهبوا إلى لوط عليه السّلام في منزله في سدوم ، فدخلوا عليه ، وكانوا على صور شباب مرد حسان ، فرحّب لوط عليه السّلام بهم ، وعلم كبراء قومه بأنّ لوطا استضاف شبابا مردا حسانا ، فأقبلوا إليه وقالوا له : ألم ننهك عن العالمين .
وأرادوا الدّخول عنوة إلى داره لاغتصاب ضيوفه ، وممارسة الفاحشة بهم ، فحاول منعهم فلم يستجيبوا له .
عندئذ قال له ضيوفه : إنّا رسل ربّك أرسلنا لإهلاك قومك ورموا في وجوه المحتشدين على باب داره ما أحرق عيونهم ، وطمس أبصارهم ، فانكفؤوا عن داره يذوقون عذاب حرق العيون والوجوه .
وقال الملائكة للوط عليه السّلام إنّ إهلاك القوم العامّ سيكون عند
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 398
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٩٨