أنّ كلّ وجوده منحصر في هذه الحياة الّتي يعيش ظروفها ، فهي فرصته الوحيدة للاستمتاع ، وانتهاب اللّذات ، وتحقيق الشهوات ، وهو يرى أنّ وسيلته إلى ذلك ما جمع من مال وعدّده ، وأعدّه لتحقيق هذه الغاية ، ويرى أنّ بقاءه طوال حياته في متاع الحياة الدنيا هو الخلود الّذي تطمح نفسه إليه ، وتنحصر فيه .
والكافر الهمزة اللّمزة المغتاب النّمّام العيّاب الذي لا يؤمن باللّه وعدله وجليل حكمته ، ولا يؤمن باليوم الآخر الّذي يكون فيه الحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء ، يتوهّم توهّمات لا قيمة لها في موازين الفكر السّليم ، منها أنّ ماله الذي يجمعه ، هو إكسير بقائه عزيزا منعّما ذا مكانة رفيعة بين الناس ، وهو الوسيلة الّتي يدفع بها عن نفسه الضّرّ ، وهو الوسيلة التي يجلب بها لنفسه النّفع وما يشتهي وما يريد ، حتّى آخر لحظة من حياته ، وهو الوسيلة لاغتنام سعادته في فرصة وجوده الوحيدة في الدّهر .
بكلّ هذه التوهّمات الباطلات ، يحسب أنّ ماله أخلده فيما مضى عزيزا قويّا ذا مكانة اجتماعيّة رفيعة ، وهو يبقيه كذلك في أيّام عمره الآتيات في المستقبل ، فهو يقيس مستقبله على ماضيه .
* قول اللّه عزّ وجلّ :
كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ( 4 ) .
كَلَّا
كلمة ردع وزجر ، وهي هنا لردع الهمزة اللّمزة .
لَيُنْبَذَنَّ
: اللّام واقعة في جواب قسم منويّ ، كما قال الخليل في مثل هذا الاستعمال ، فالفعل مؤكّد بقسم مقدّر ، وبنون التوكيد الثقيلة .
« ينبذنّ » : أي : يطرحنّ مزهودا فيه . أصل النّبذ طرح الشيء وإلقاؤه ، مع زهد فيه ، أو مع إهانة واحتقار له . وإذا أراد النابذ صرف الشيء الذي ينبذه عن بصره ، نبذه وراء ظهره .