وأحاسيس اللذّة والألم ، ودوافع الإقبال لتحقيق المطالب المحبوبة ، ومثيرات النفور خوفا من المكاره والمؤلمات ، في ظروف الحياة الدنيا .
وقفز البيان في السّورة من خلق الإنسان في أحسن تقويم إلى بيان واقع الإنسان بعد رحلة الامتحان ، إذ كان من أفراده من اختار لنفسه أحطّ الدركات ، فردّه اللّه بحكمته وعدله إلى أسفل سافلين ، وكان من أفراده من اختار لنفسه دون ذلك ، حتّى أولى درجات الارتقاء فحمى نفسه من عقاب اللّه بأن آمن وعمل صالحا ، ولا بدّ أن يتفاضل الّذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما بينهم ، فيرفعهم اللّه في الدّرجات ، حتّى تتساوى الدرجات العليا مع كون الإنسان مخلوقا في أحسن تقويم ، وهذه الدرجات الرّفيعات ثوابها الدّرجات المناظرات لها في الفردوس الأعلى من جنّات النعيم يوم الدّين ، فمنازلها هي المنازل الملائمة لمن خلقه اللّه في أحسن تقويم .
أليس هذا الدّين هو ما تقضي به حكمة الخالق الرّبّ الّذي هو أحكم الحاكمين ؟ !
فما الّذي يجعل المنكر الجاحد يكذّب بالدّين ، وكلّ آثار صفات اللّه الرّبّ في كونه تدلّ على أنّه أحكم الحاكمين ، وأحكم الحاكمين لا يمكن أن يخلق الناس عبثا ، ولا يمكن أن يخلق السّماء والأرض وما بينهما باطلا ؟ ! ! بل لا بدّ بعد رحلة الحياة الدّنيا من حساب ، وفصل قضاء ، وتنفيذ جزاء ، يوم الدّين ، هذا ما تقضي به حكمة أحكم الحاكمين ، وهذا ما توجبه البراهين العقليّة ، والحجج القاطعة المستندة إلى معرفة صفات اللّه الّتي تدلّ عليها آياته في كونه .
* * *
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 398
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٩٨