( 2 ) موضوع سورة التين
موضوع سورة التين يدور حول بيان الحكمة من خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وهي ابتلاؤه الذي يستلزم منحه حرّيّة الإرادة وسائر شروط الامتحان الأمثل ، وحرّية الإرادة لا بدّ أن يكون من آثارها تفاوت النّاس وتفاضلهم في اختياراتهم ، من أرفع الدرجات ارتقاء ، حتّى أخسّ الدّركات هبوطا .
وهذا الامتحان يستلزم حتما في حكمة الحكيم تحقيق نتائجه بثواب المرتقين بحسب درجات ارتقاءاتهم ، وبعقاب الهابطين بحسب دركات انحطاطاتهم ، وهذا هو الدّين ، أي : الجزاء الّذي تقتضيه الحكمة .
والجزاء لا بدّ أن يسبقه الحساب وفصل القضاء ، وبما أنّ تحقيق الجزاء الأمثل غير موجود في ظروف الحياة الدنيا ، فلا بدّ أن تشتمل خطّة الحكيم العليم القدير على حياة أخرى يكون فيها تحقيق الإدانة ، وتنفيذ الجزاء ، ويوم الدّين هو اليوم المقرّر في خطّة التكوين ، لتحقيق الغاية من الامتحان في ظروف الحياة الدنيا .
والأسلوب البيانيّ المختار الّذي جاء في هذه السّورة للدّلالة على عناصر هذا الموضوع ، قد جاء أسلوبا عجيبا ، بدأ بالقسم بمهابط الوحي الّذي تنزّل برسالات اللّه على نخبة من كبار أنبياء اللّه ورسله ، ليبلّغوها للناس ، أمّا المقسم عليه فهو خلق الإنسان في أحسن تقويم ، الّذي كان من ظواهره منح الإنسان حرّيّة الإرادة الّتي هي مصغّر ضئيل يدلّ على أنّ اللّه الإرادة الحكيمة العظمى الّتي يختار اللّه بها كلّ أمر حكيم ، ومنحه العلم والإدراك الّذي يعرف به موادّ امتحانه ، وتمكينه من ظواهر القدرة الّتي يشعر معها أنّه ينفّذ بها ما يريد ، ومنح نفسه عناصر الأهواء والشهوات والرغبات ،