وقد جاء تخصيص المظلم بهذه الاستعاذة ، لأنه يدخل دون أن يرى ، فلا يستطيع الناس اتخاذ الوقاية العامّة منه .
وقد كشفنا بوسائل العصر الحديث أنّ الجراثيم والميكروبات الضّارّة مظلمة لا نراها ، لصغرها ، وتدخل في أوقاب الأحياء ، فالفتحات الظاهرات ثقوب تدخل منها ، ومسامّ الجسد في الحيوان هي الثقوب الصغيرة التي ترشح ، وقد تدخل منها الجراثيم بالاحتكاك ، فتتولّد منها الأمراض والأسقام ، فكلّ ثقب منها وقب ، وجمع وقب أوقاب .
والغاسق إذا وقب : هو المظلم الذي لا يراه الناس إذا دخل في الوقب . وكلّ مظلم يدخل في الأوقاب غاسق .
الفم وقب ، والمنخران وقبان ، وسائر فتحات الجسد أوقاب .
والحشرات والهوامّ ، والميكروبات والجراثيم الضّارّة وغيرها ، وكثير ممّا خلق اللّه غاسقات تدخل في الأوقاب ، فتأتي الناس بشرّ . وممّا يدخل في الأوقاب أصناف من الجنّ قد تدخل في أجساد الناس ، فيصيب الناس منها شرور وأنواع من الضّرّ والأذى .
وصحّ عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها ، أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ بيدها ، فأراها القمر حين طلع ، وقال لها :
« تعوّذي باللّه من شرّ هذا الغاسق إذا وقب » .
وفي محاولة لإيجاد تفسير لهذا يخطر لي احتمال أن يكون المراد ما يحدث للقمر يوم القيامة من خسف يكون به مظلما ، ثمّ ما يحدث له من اقتراب من الشمس ، حتّى ينصهر ، وينصبّ في وقب من أوقابها ، وهو ما أشار إليه قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( القيامة / 75 مصحف / 31 نزول ) :
فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ( 7 ) وَخَسَفَ الْقَمَرُ ( 8 ) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ( 9 ) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ( 10 )