الاستفهام في هذه الآية الثانية من السّورة نظير الاستفهام الذي جاء في الآية الأولى منها .
والمعنى : إنّك تعلم أيّها المخاطب المعاصر لتنزيل السورة ، أو من اليسير جدّا عليك أن تعلم من مشاهدي إهلاك أصحاب الفيل من أهل مكة وما حولها ، أنّ كيد أصحاب الفيل الّذي كادوه لهدم الكعبة وتحويل حجّ العرب عنها إلى الكنيسة « القلّيس » قد جعله ربّك في ضياع وهلاك ، إذ قدموا بجيش كبير مزوّد بأسلحة الحرب وأعتدتها ، يتقدّم مسيرتهم فيل ضخم ، وقد هزموا من أراد أن يصدّهم عن البيت من قبائل العرب ، ولم يكن لدى أهل الحرم المكيّ قدرة على صدّه .
كيدهم : هو كلّ ما دبّروه وأعدّوه ، من خطط ووسائل وأعمال وجيش لا قبل لقبائل العرب به ، بغية هدم الكعبة بيت اللّه الحرام ، وتحويل العرب عن الحجّ إليه .
في تضليل : أي : في محيط من الضّياع والهلاك والتبديد والتشتيت .
تقول العرب : ضلّله إذا ضيّع مسعاه . وأفسد تدبيره وأهلكه ، وشتّتّ شمله ، وفرّق جمعه .
* قول اللّه عزّ وجلّ :
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( 4 ) .
أي : وإنّك تعلم أيّها المخاطب ، أنّ ربّك أرسل على أصحاب الفيل ، جندا من جنده الّتي لا يحصيها إلّا هو ، وكانت يومئذ جماعات متلاحقات من أصناف الطّير ، تحمل بأرجلها ومناقيرها حجارة من سجّيل ، أي : من طين متحجّر متصلّب ، له خصائص وبائيّة تهلك أو تعذّب من أصابه شيء منها ، وقد غطّت سماء الجيش كالسّحاب .