وَأَحْيا ( 44 ) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ( 47 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ( 48 ) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ( 49 ) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ( 50 ) وَثَمُودَ فَما أَبْقى ( 51 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى ( 52 )
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى ( 53 ) فَغَشَّاها ما غَشَّى ( 54 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ( 55 )
فالقضيّة الأولى : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) .
الخطاب في هذه الآية موجّه بأسلوب الخطاب الإفراديّ لكلّ من يصلح للخطاب ، ويدركه ويفهمه ، ويقع في المقدمّة الموضوعون في الحياة الدنيا موضع الابتلاء ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ، إيثارا لما هو أوقع في نفوس المتلقين :
أي : وأنّ من القضايا المبيّنة في صحف موسى وإبراهيم عليهما السّلام ، أنّ إلى اللّه الّذي هو ربّك وربّ كلّ شيء ، ينتهي كلّ شيء ، فالرّجوع من الحياة الدنيا بالموت ينتهي إليه ، والعودة إلى الحياة بالبعث للحساب والجزاء تنتهي إليه ، وأمر الحساب وفصل القضاء يوم الدين ينتهي إليه ، وأمر تنفيذ الجزاء ينتهي إليه ، له الخلق وله الأمر ، وكلّ الحجج والبراهين الدالّة على أوّليّة الوجود تنتهي إليه ، فتثبت أنّه الأزليّ الّذي وجدت بأمره التكوينيّ كلّ الكائنات من دونه ، إلى غير ذلك من كلّ ما في الأكوان كبارها وصغارها ، وهي أمور لا يحيط بعلمها إلّا اللّه جلّ جلاله ، وإليه تنتهي أسباب تصاريفها بربوبيّته العامّة الشّاملة لكلّ شيء .
وفي هذه العبارة إشارة إلى سلاسل الأسباب في حركات كلّ شيء في الكون وسكناته ، وأنّها جميعها تنتهي إلى اللّه الذي له الخلق والأمر جلّ جلاله ، وعظم سلطانه ، وفيها إشارة إلى أن الغاية هي ابتلاء ذوي الإرادات الحرّة في ظروف الحياة الدنيا .