ولاحتى المؤذن ميكدته ، إذ لو عرفهم كان يعرفه الملك ، وكيف يأخذ أخاه بمكيدة يعرفها الملك ؟
ولئن سئلنا أن الشرعة الإلهية لا تسمح الجهر بالسوء وقد جاهرهم به ، اللهم إلّا شهادة بشروطها عند الحاكم ، ولم تكن هناك من يوسف شهادة ولاحكم ؟ فالجواب
« لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ »
وقد ظُلم يوسف بأقبح الظلم فكيف لايجه بسوء ما ظُلم ، وهو كاتم ظلمة طيلة سنين حتى أتى دوره الصالح لمكيدة بأمر اللّه ، فقد صدق فيما جاهر وترك كثيراً حين قال مؤذنه :
« أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ »
.
« قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ ( 71 ) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ »
« 1 »
« وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ »
تلمح أن المؤذن أذن وهم يرجعون ، ثم أقبلوا عليهم ، و
« ما ذا تَفْقِدُونَ »
إشارة منهم أننا لسنا بسارقين ، فلعله فُقد عنكم صواع الملك ، والمحتملات فيه ثلاث ثالثها أنه عند أحدنا ، وقبل ذلك قد يكون تحت طعام أمّاذا ، أو عند أحدكم أمن ذا ، فلا تُحتّموا أننا سرقناه .
ورجال الحاشية بمن فيهم المؤذن ، هنا لايكررون القولة الأولى بصيغة أخرى « سرق منا صواع الملك » وإنما
« نَفْقِدُ »
مما يؤيد أن الأولى تورية لا تعني سرقة الصواع ، ثم رغّبوا
« لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ »
كجعالة على وجدان الضالة
« وَأَنَا »
الذي هو طبعاً المؤذن
« بِهِ زَعِيمٌ »
كفيل ضمين ، أم قائم بأمره رئيس ، وعلى أية حال فقد تكفل هذا الجعل لمن جاء به ، ولو كانت سرقة فجزاءه غير جزائه
« جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ »
.
فقد تحول مسرح السرقة وجزاءها إلى مسرح وجدان الضالة وجعله وأين سرقة من جالة ؟
أترى
« نَفْقِدُ »
ليس كذباً وهم مافقدوه حيث هو
« جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ »
؟ نفقد - في نفسها - تعني ليس هو عندنا ، علمنا مكانه أم جهلنا ، وغاية أمره أن يكون تورية
هامش
( 1 ) 2 : 72