بطبيعة الحال هو طالوت قائد الجند ، مهما كان قوله من قول نبيهم إذ لم يكن هو بنفسه نبياً .
والابتلاء هنا ذو بعدين مرضيين في تجنيد الجنود ، ابتلاءً بتعوُّد الصبر على الشدائد ومن أشدها العطش حالة الحرب ، وهي تتطلب استعداداً بدنياً كما هو روحياً .
ومن ابتلاءً بمدى اتِّباعهم لأمر القائد بما أمر اللَّه ، فلا خير فيمن لا يتصبر على الشدائد ، ولا يُصغي إلى أمر القائد ، وانفصاله خير من اتصاله ، وفصله قبل العراك خير منه بعده ، حيث الفصل الأخير هزيمة للجنود عن بكرتهم .
هنا تتجلى الحكمة الربانية في اختيار طالوت عليهم ملكاً كقائد الجنود ، مقدماً على معركة صاخبة ومعه جيش من أمة مغلوبة قد عرفت الهزيمة في تاريخها المرير مرة بعد أخرى ، وهي الآن تواجه جيش أمة غالبة سحقته قبل ردح في قتال ضاربة .
إذاً فلابد من استعداد وقوة كاملة كامنة في ضمير هذا الجيش ، بإرادة تضبط الشهوات والنزوات ، وتنضبط بقيادتها الصالحة الربانية لكي تجتاز الابتلاء قاهرة غالبة من تغلُّبها ، لذلك يبلوهم ذلك القائد الرصين الأمين بالعطاش ليعلم من يتصبُّر معه ممن ينقلب على عقبيه ، ولقد اقتسموا في ذلك الابتلاء إلى ثلاثة أقسام :
« فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي »
كيفما كان شربه فإنه مُخرَج
« وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ »
و
« لَمْ يَطْعَمْهُ »
لا تعني فقط من لم يشرب منه ، فقد لا يشرب ولكنه يطعم ، وهو عوان بين
« فَلَيْسَ مِنِّي
و
« فَإِنَّهُ مِنِّي »
برزخاً بين الأمرين ، لا هو مخرَج ولا هو في صميم الجيش .
ثم الاستثناء
« إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ »
يسمح الإغتراف لمن لم يطعمه ، ولا يعني