تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
« تِلْكَ الْأَيَّامُ »
لا تقصد دولة الحق حتى تداول بين أهل الحق والباطل ، وانما هي أيام السلطة الظاهرة والنصر زميناً وليس روحياً إذ لا روح لغير المؤمنين فليست الدولة الظاهرة للباطل وهي جولة تعزيراً لموقف الباطل وتقويضاً لظهر الحق ، فإنما هي لمصالح وحكم ربانية يقتضيها دور التكليف ، بما يحصل من تقصيرات لأهل الحق .
« وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ »
من العَلم : العلامة ، دون العِلم : المعرفة ، فاللَّه يعلَم بمداولة هذه الأيام علامةَ النجاح والفلاح على الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء للحق ، كما يعلم علامةَ السقوط على الظالمين
« وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان ، وعند تقلب الأحوال يُعرف جواهر الرجال ، وكما عرفت يوم أحد وأيام أمثاله . والواو عطفت على محذوف معروف من السياق ، ومنه ان هزيمة أهل الحق في الحق ليست إلَّا لهزيمتهم عن الحق كما يرام كما في غزوة أحد ، وما إلى هذه من هزائم هي من خلفيات الهزائم عن عزائم الإيمان . فمداولة
« تِلْكَ الْأَيَّامُ »
بتعاقب الشدة والرخاء إنها محكٌ لا يخطئ ، وميزان لا يتأرجح ، وليست الشدة أشد من الرخاء ، فكم من نفوس أبيَّة تتماسك فيها صابرة مثابرة ، ولكنها تتراخى وتنحل بالرخاء ، والنفس المؤمنة هي الصامدة في الشدة والرخاء على سواء ، محتسبة عند اللَّه عناءها فيهما ، فلا انتصار بدرٍ يُزهيهم مَرِحين ، ولا انهزام أحد يهفيهم قرحين .
« وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ »
إصطفاءٌ ممن عَلَم اللَّه من المؤمنين ، ومقام هذه الشهادة هو الثالث بعد النبيين والصديقين :
« فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً »
. « 1 » فالصالحون هنا هن المؤمنون المعلَمون هناك ، فالشهداء منهم هم المصطفون من بينهم ، فليس الشهيد هو من يشهد الشهادتين ، فكثيرٌ هم يشهدونها وما هم بمؤمنين ،
هامش
( 1 ) . سورة النساء 4 : 69