الرسالة السامية ألَّا يُظَن بالرسول أنه يملك وحي اللَّه ، أو أنه يصدر بوحي من عقليته البشرية .
كما وأن
« ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ »
. « 1 » نموذج آخر من هذه الحائطة ، فرغم أن التلاوة وخط الكتاب هما من الفضائل ، قد يصبحان خارجين عنها إلى الرذائل ، حيث
« إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ »
.
وبعد كل ذلك فقد كان الرسول صلى الله عليه وآله مأذوناً أن يأذن لمن شاء من المؤمنين :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. « 2 »
فظاهر إقرار هؤلاء المنافقين من ناحية ، وظاهرة الاستئذان وهي حسب هذه الآية إمارة أخرى على الأيمان من أخرى ، قد سمحت له أن يأذن لهؤلآء بمجرد استئذانهم ، دون أن يعرف كذبهم حتى عرَّفهم اللَّه إياه .
فلما لم يكن الصادق بيناً له عن الكاذب ، فهو له أن يحملهم دون معرفة على الكذب ؟ كلّا ! ولكن الحائطة في ذلك المسرح الخطير كانت تقتضي أن يؤجل إذنهم نَظِرة تبيُّنه ، وقد كفى اللَّه أمره أن عرَّفهم إياه فعرِفهم في هذه الإذاعة القرآنية .
إذاً ف
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ »
بعد
« عَفَا اللَّهُ عَنْكَ »
وقبل
« حَتَّى يَتَبَيَّنَ »
قصاراه التأنيب بما لا ينبغي وهو في نفسه غير محظور ، أم إن إذنهم بين محظور ومحبور ، محظور إذ لم يتبين كذبهم ، ومحبور إذ
« لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا »
ولكنهم ما كانوا يخرجون وإن لم يأذن لهم ، ثم اللَّه بين له صلى الله عليه وآله كذبهم فلم يبق في البين محظور ، ولا سيما أن عدم إعدادهم عُدةً
« وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ »
إذاً ف « حتى تعلم » كان حاصلًا دون تمام بعدم إعدادهم عُدة ، ولم يخسر هنا إلا تمام العلم بكذبهم ، وقد جبر اللَّه كسره بما أخبره .
هامش
( 1 ) ) . سورة العنكبوت 29 : 48
( 2 ) . سورة النّور 24 : 62