تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وكلٌّ من الاصطفاء والإجتباء يعني طلب الأصفى والأجبى ، فلابد من صفاء أصفى وجباء أجبى حتى يصطفي اللَّه ويجتبي . وترى كيف يصطفي ويجتبي مثل يحيى الذي
« آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا »
إنه يصطفيه لما يعلم أنه سوف يقوم بصالح الجدارة لبلاغ الرسالة ، فهو الذي يصنع الرسل لحمل أمانات وحيه وبلاغ رسالاته بما يعلم فيهم من جدارات سابغة ، سابقة ولا حقة . فقد قال في موسى :
« وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي . .
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي »
. « 1 » فقد صنعه اللَّه علي عينه منذ حمله وولاده ورضاعه ليأهل لحمل رسالته ،
« ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى »
بما جاهدتَ واجتهدت وجرَّبت وجُرِّبت
« وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي »
هكذا ، بين جهاد منك وتأييد من ربك . فرسل اللَّه عليهما السلام هم صنائع اللَّه ولكن دون فوضى جزاف وترجيح دون مرجح ، فقد يحمِّلهم من تكاليف الدعوة ومشاق الدعاية ما يصلح لمحتدهم الرسالي . القول أن صناعتهم من اللَّه هي التي تقدمهم على مَن سواهم ، فما هي الرجاحة لهم على من سواهم ؟ مردود بأن اللَّه إنما يشاء في كل دور من الأدوار الرسالية أن يُصنع رسول أم رسل ، فلا يصلح أن يصنع هكذا كلَّ الخليقة ، فإنما يصطفي مَن يعلم جدارته وهو يتحمل ما يحمَّل من رسالته . فلا ترجيح إذاً دون مرجح ، بل هو ترجيح بمرجح ، ثم اللَّه يصنع المترجح في علمه كما يصلح لحمل رسالته ، وبصورة عامة
« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ »
: فقد يصطفي من هو بالفعل أصفى وهو يبقى أصفى كرسول الهدى محمد صلى الله عليه وآله وأضرابه ، أم يصطفى من يعلم أنه سوف يكون أصفى فيصفِّيه اللَّه لحد يصلح لحمل رسالته تعالى ، وهما مشتركان في واجب حمل الرسالة بكل جدارة معنية دون تفلُّت عنها ولا تلفُّت إلى غيرها . ومما يختص باللَّه تعالى فيهم أن يصطفيهم من أصلاب طاهرة وأرحام مطهرة لم
هامش
( 1 ) . سورة طه : 39 و 41