أكل الطعام كان له ثفل ومن كان له ثِفل فهو بعيد عما ادعته النصارى لابن مريم . « 1 »
ذلك ، فليس ليفيض اللَّه عصمته الخاصة الطليقة على أحد من عباده ، والعصمة الرسالية لا تعني إلّا تلقياً رسالياً وبلاغاً وتطبيقاً رساليين ، ومن البلاغ الرسالي تبيين أنهم ليسوا إلّا رسلًا لا يستقلون عن اللَّه ولا يستغلون رسالة اللَّه ، فلابد إذاً لهم من هفوات تدليلًا على قصوراتهم الذاتية ، ثم اللَّه يبينها لذلك ولكي لا يبقى نقص في شرعته .
فلو أن اللَّه عصمهم كما هو لضل كثير رغماً أنهم آلهة ، ولو أنه لم يبين قصورهم الذاتي لم يتبينوا أنهم ليسوا بآلهة ، ولا ما هو الحق فيما قصروا .
إذاً فهفوات النبيين فيما دون العصيان هي ضرورات ذوات أبعاد .
فكما أن قضية الحكمة الربانية أن يعصم رسوله بعصمة طليقة ، كذلك الحكمة من واجهة أخرى حفاظاً على الرسالة من الغلو فيها أن يُطْلقه اللَّه طرفة بعد طرفة ، ثم يمسكه على طول الخط وفي كل طرفة ، تدليلًا على
« وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا . إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً »
. « 2 » وليس فيه تضليل للأمم حيث يبين اللَّه لهم موارد هفواتهم ، وأنها ما كانت عصياناً له تعالى إلا خطأً قاصراً دون تقصير .
ذلك وكما أبطأ عنه الوحي ردحاً حتى ظن ظانون أن ربه ودَّعه وقلاه فنزلت :
« وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى . ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى »
فكما الضحى صالحة للحياة ، كذلك الليل إذا سجى ، وهكذا سجى ليل انقطاع الوحي ، كضحى الوحي ، هما صالحان لهذه الرسالة ، مهما اختلف صورة عن صورة ، حيث السيرة واحدة تعني تبنَّي هذه
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار 90 : 112 باب رد المتناقض في القرآن
( 2 ) ) . سورة الأسراء 17 : 87