تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥

التفكر آفاقيا وانفسيّا

« أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ »
( 30 : 8 ) . فقضية تكوينهم ان يفكروا كيف كوِّنوا ومن كوَّنهم ولماذا ؟ وان يتفكروا في أنفسهم - دون اقتصار على ظاهرٍ من الحياة الدنيا - يتفكروا أنه
« ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ »
: بسبب الحق وغايته ومصلحته ومصاحبته ، وإلّاب
« أَجَلٍ مُسَمًّى »
حيث الكون بنفسه دليل على ضرورة نهايته كما يدل على بداية الفقر الذاتي فيه ،
« وَ »
لكن
« إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ »
وهم النسناس منهم
« بِلِقاءِ رَبِّهِمْ »
في ربوبية الجزاء يوم الآخرة
« لَكافِرُونَ »
كفراً عامداً ، أم تجاهلًا وتغافلًا . ويكأنهم منفصلون عن نفوسهم الإنسانية إذا انقطعت عن أنفسها وانجذبت إلى ظاهر من الحياة الدنيا ، فلا تسمح لهم أن يبصروا بها حتى يتبصّروا وإنما يبصرون إليها فيعمهون كل عاقل ذي نفس إنسانية لمّا يسبر أغوار نفسه وهويرى خلق الكون ، لا بد وأن يرى له غاية مقصودة ترجع إلى الكون نفسه وأنفس نفيسه وهو الإنسان ، فلو لم تكن حياة أخرى بعد الدنيا لكان الخلق لغواً ، أم لغاية جاهلة قاحلة هي الحياة الدنيا ! فكيف إذاً هم يعلمون ظاهراً دون كل ظواهرها ، ظاهراً من حيونة الحياة ضئيلًا زهيداً قليلًا هزيلًا ، متبهّجين بها ، مخلدين إليها ، متمتعين بها ، مستزيدين متزايدين بشهواتها وزهواتها ، ملتهين بلهواتها ، كأنها هي الحياة لا سواها
« وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ »
.
« هُمْ »
الثانية هنا تأكيد أنهم لا سواهم غافلون عن الآخرة ، حيث العالم بكل ظواهرها ، والعالم بباطن لها أم كل باطن لها ، لا بد وأن يذكر الآخرة المتلمعة منها . ولأن الغفلة ليست إلَّاعن أمر حاصل ، فلا بد أن العلم بالدنيا كما يحق يضم العلم بحق الأخرى ، فالحياة الآخرة علماً بها وتحقيقاً لها هي من محاصيل الحياة الدنيا ، حيث النظر الصائب إليها يذكِّر الناظر الحياة الأخرى ، والعملُ الصالح فيها يحضِّر حياة الحيوان في