يكن مسجد اً عاماً ، وكما أمرنا أن نخصص أمكنة خاصة في بيوتنا للصلاة ، وذلك عند إعواز المساجد الرسمية أم عسر الوصول إليها ، ثم الآية المكية ليست لتحصر حكمها بالعهد الملكي ، كما المدينة لا تخص المدنيين ، فالقرآن ككلٍّ شرعة عالمية تتخطى حوجز الزمان والمكان ، مهما كان المخاطبون الأولون المكيين والمدنيين :
« كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ »
.
وفي رجعة تفصيلية إلى ذلك المقطع اللَّامع من لوامع الآية نتساءل : هل المشابهة هنا بين البدء والعود واقع ؟ والبدء ولادة من الأرحام ابتداء
« بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ »
والعود لا يعرف صلباً ولا رحماً ولا أية ولادة ! .
إنه في وجه المشابهة تشابه بين بدء الإنسان الأول حيث بدأنا به ، وبين العود ككلّ ، فكما خلقنا اللَّه أول مرة من تراب ، كذلك يعيدنا من تراب
« وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ »
مرة أخرى .
وبوجه ثان
« كَما بَدَأَكُمْ »
إنشاءً من تراب كالإنسان الأوَّل ، أم إنتشاء الإنسان كسائر الإنسان ، ولم يعي بذلك الخلق الأول ، كذلك
« تَعُودُونَ »
بنفس القدرة ، و
« هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ »
.
وقد يعني التشبيه كلا الأمرين ، تشبيهاً في القدرة بأولوية ، وتشبيهاً في المنشأ بين البدء والعود ، ف
« هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ »
( 30 : 27 )
« كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ »
( 21 : 104 ) ،
« قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »
( 10 : 34 )
« أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »
( 29 : 19 ) ؟ .
فالقادر على البدء - وهو واقع لا مرد له - هو قادر - بأحرى - على الإعادة ، كما هي الموعودة المتوقعة ، وهما متماثلان في جذور الخلق الإنشاء ، مهما اختلفا فيها يختص بكلّ واحد قضية نشأته .
إذاً فلكلّ منا ترابه المخصوص به دون الزائد الملحق المدسوس من أجزاء آخرين ، أم أجزاء غير أصيلة في تكوّنه ، فكما أن كلَّا منها خلق من خاصة نطفته أول مرة ، فهو العائد بها مرة أخرى مهما التحق بها ما يعيش كلٌّ معها طول عمره دون فصال ، ولكن الأجزاء الأخرى العائشة معنا ردحاً ومع الآخرين ردحاً آخر أم على طول الخط ، إنها ليست هي