ولسائل أن يقول : ولماذا ارتبط تنسّم يعقوب لرائحة يوسف بخروج العير من مصر ، وتواجدها على الطريق إلى موطن يعقوب ؟
نقول : لأن العير لحظة تواجدها في المدينة تكون رائحة قميص يوسف مختلطة بغيرها من الروائح ؛ فهناك الكثير من الروائح الأخرى داخل أي مدينة ، ويصعب نفاذ رائحة بعينها لتغلب على كل الروائح ؛ ويختلف الأمر في الخلاء ؛ حيث يمكن أن تمشى هبّة الرائحة دون أن يعترضها شئ .
وبذلك نؤمن أن كل شئ في الكون محفوظ ولا يضيع ؛ مصداقا لقوله تعالى :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ( 10 ) كِراماً كاتِبِينَ
( 11 ) [ الانفطار ]
وكل ما يصدر منك مسجّل عليك ؛ ولذلك يأتيك كتابك يوم القيامة لتقرأه ، وتكون على نفسك حسيبا .
ويردّ من بقي من أهل يعقوب معه على قوله بأنه يجد ريح يوسف :
قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
وكأنهم قد ملّوا حديثه عن يوسف ؛ وأعرضوا عن كلامه قائلين له : إلى متى ستظل على ضلالك ، وهم لا يعنون الضلال « 1 » بمعنى الخروج عن المنهج ، ولكنهم يعنون الضلال بمعنى الجزئيات التي لا علاقة لها بالتديّن من محبة شديدة ليوسف ، وتعلّق به ، والتمنّى لعودته ، وكثرة الحديث عنه ، وتوقّع لقائه ، وهم الذين ظنّوا أن يوسف قد مات .
هامش
( 1 ) الضلال هنا يعني شدة الانشغال بالمحبوب وكثرة السؤال عنه والبحث المتلاحق مصداقا لقوله تعالى :وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى( 7 ) [ الضحى ] .