وهكذا علم نوح بمسألة الإغراق من خلال الوحي له بصنع السفينة .
ومعنى « اصنع » أي : اعمل الصنعة ، وهناك فرق بين الصنعة والحرفة ، فالصنعة أن توجد معدوما ، كصانع الأكواب ، أو صانع الأحذية ، أو صانع النّجف ، أو صانع الكراسي ، أما الذي يقوم على صيانة الصنعة فهو الحرفىّ .
وهناك عملية أخرى للاستنباطات مثل مهنة الزارع الذي يحرث الأرض ويبذر فيها الحبّ ويرويها ليستنبط منها النباتات ، ويسمّى صاحب هذه المهنة « زارع » أو « فلّاح » ؛ لأن اقتيات الحياة المباشر يأتي من الزراعة .
أما الصانع فيأتي بشئ من متطلبات الحياة ، في تطورها ويوجد آلة أو يصنع جهازا لم يكن موجودا ، والحرفىّ هو الذي يصون تلك الآلة ، أما التاجر فهو الذي يقوم بعملية تجمع كل ذلك ، ويكون هو الوسيلة بين منتج الشئ والمستهلك ، فالتاجر يكون لعرض الأشياء بغية البيع والشراء .
والحق سبحانه وتعالى يقول هنا لنوح عليه السّلام :
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ . .
( 37 ) [ هود ]
أي : أوجد شيئا من عدم ، إلا أن هذا الشئ سيصنع من شئ آخر موجود ، لأن نوحا عليه السّلام قد زرع من قبل شجرة وعاشت معه كل هذه المدة الطويلة ، وتضخّمت في الجذع والفروع .
وبدأ نوح عليه السّلام في عملية شقّ الشجرة ليصنع منها السفينة التي بلغ طولها - كما قيل « 1 » - ثلاثمائة ذراع « 2 » وبلغ عرضها خمسين ذراعا ، وبلغ
هامش
( 1 ) ذكره قتادة . وفيها أقوال أخرى . واجتمع الرأي على أن ارتفاعها في السماء كان ثلاثين ذراعا ، ثلاث طبقات ، كل طبقة عشرة أذرع ، فالسفلى للدواب والوحوش ، والوسطى للإنس ، والعليا للطيور .
وكان بابها في عرضها ، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها . انظر تفسير ابن كثير ( 2 / 444 ) .
( 2 ) الذراع : مقياس للأطوال يقدر ب 75 سنتيمترا أو أقل . والذراع من الإنسان : من المرفق إلى أطراف الأصابع .