ونحن نعلم أن الأماكن في الأزمنة القديمة كانت منعزلة ، ويصعب بينها الاتصال ، وكل جماعة تعيش في موقع قد لا يدرون عن بقية المواقع شيئا ، وكل جماعة قد يختلف داؤها عن الأخرى .
لكن حين أراد الحق سبحانه بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كرسول خاتم ، فقد علم الحق سبحانه أزلا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ميعاد مع ارتقاء البشرية ، وقد توحدت الداءات .
فما يحدث الآن في أي مكان في العالم ، ينتقل إلينا عبر الأقمار الصناعية في ثوان معدودة ، لذلك كان لا بد من الرسول الخاتم صلّى اللّه عليه وسلّم .
أما تعدد الرسل وتعدد اللقطات لكل رسول بالقرآن ، فليست تكرارا كما يظن السطحيون ؛ لأن الأصل في القصص القرآني أن الحق سبحانه قد أنزله لتثبيت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد كانت الآيات تنزل من السماء الدنيا بالوحي لتناسب الموقف الذي يحتاج فيه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى تثبيت للفؤاد « 1 » .
ويبيّن الحق سبحانه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتذكر إخوانه من الرسل وما حدث لهم مع أقوامهم وانتصار اللّه لهم في النهاية ، وحين أراد الحق سبحانه أن يقص قصة محبوكة جاء بسورة يوسف .
وهكذا فليس في القرآن تكرار ، بل كل لقطة إنما جاءت لتناسب موقعها في تثبيت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
ولنا أن نلحظ أن قصة شعيب عليه السّلام مع قومه ، ما كان يجب أن تنتهى إلا بأن تأتى فيها لقطة من قصة موسى عليه السّلام ، وهو صهر شعيب عليه السّلام .
هامش
( 1 ) يقول الحق سبحانه :وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ( 120 ) [ هود ] . ثبت الأمر : رسخ واستقر ضد تزلزل واضطرب . ويقول تعالى :يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ . .( 27 ) [ إبراهيم ] أي : يقوى إيمانهم بالقول الصحيح الثابت وهو شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وذلك ثبات معنوي . [ راجع : القاموس القويم 1 / 105 ] .