والشاعر « 1 » يقول :
يقولون لا تبعد وهم يدفنوننى * وأين مكان البعد إلا مكانيا
فهذا هو البعد الذي يذهب إليه الإنسان ولا يعود « 2 » .
ولماذا خصّ الحق سبحانه ثمود بالذكر هنا ، وقد سبق أن قال سبحانه عن أقوام آخرين : « ألا بعدا » ؟
لأن الصيحة قد جاءت لثمود « 3 » ، وبذلك اتفقوا في طريقة العذاب .
وتنتهى هنا قصة شعيب عليه السّلام مع مدين ، ونلحظ أن لها مساسا برسل مثل موسى عليه السّلام ، مثلما كان لقوم لوط مساس بإبراهيم عليه السّلام .
وهكذا نعلم أن هناك رسلا قد تعاصرت ، أي : أن كل واحد منهم أرسل إلى بيئة معينة ومكان معين . ولأن المرسل إليهم هم عبيد اللّه كلهم ؛ لذلك أرسل لكل بيئة رسولا يناسب منهجه عيوب هذه البيئة .
وإبراهيم عليه السّلام هو عم لوط عليه السّلام ، وموسى عليه السّلام هو صهر شعيب عليه السّلام .
وقد ذهب موسى إلى أهل مدين قبل أن يرسله اللّه إلى فرعون .
هامش
( 1 ) الشاعر هو : مالك بن الريب المازني ، شاعر من الظرفاء الأدباء الفتّاك ، اشتهر في أوائل العصر الأموي ، شهد فتح سمرقند وتنسك ومرض في مرو وأحس بالموت فقال قصيدته التي منها هذا البيت وعدتها 58 بيتا أوردها أبو علي القالى كاملة في أماليه ( 3 / 151 - 154 ) توفى عام 60 هجرية . انظر الأعلام للزركلي ( 5 / 261 ) .
( 2 ) البعد : الهلاك . بعد : هلك . فقوله تعالى :. . أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ( 95 ) [ هود ] أي :
هلاكا لمدين كما هلكت ثمود . والبعد : خلاف القرب ، قال تعالى :يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ . .( 38 ) [ الزخرف ] أي : مقدار بعد أحدهما من الآخر . [ القاموس القويم ] .
( 3 ) قال رب العزة سبحانه :فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ( 5 ) [ الحاقة ] أي : أهلكوا بالصيحة التي تجاوزت الحد في قوتها . والطغيان : تجاوز الحد ، قال تعالى :إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ( 11 ) [ الحاقة ] أي : زاد وتجاوز الحد فأغرق البلاد . [ القاموس القويم 1 / 402 ] .