وقولهم هذا يتضمن الحديث عن ذواتهم والحديث عن الجن .
ولسائل أن يسأل : وكيف يأخذ الجن كثيرا من الإنس ؟
ونقول : إن الحق سبحانه قد خلق الجن على هيئة تختلف عن هيئة الإنس ، فجعل للجن خواصّا تختلف عن خواصّ الإنس ، ومن هذه الخواص ما قال عنه الحق سبحانه :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ
« 1 »
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ . .
( 27 ) [ الأعراف ]
وأعطى الحق سبحانه للجن قوة أكثر مما أعطى للإنس ، وأعطاهم القدرة على النفاذ من السواتر الحديدية والجدران وغيرها ، وهذا أمر منطقي مع أصل تكوين الجن ، فالجن مخلوق من النار ، والإنسان مخلوق من الطين .
وهناك اختلاف بين طبيعة كل من النار والطين ، فما يخرج من الطين قارّ « 2 » ، أي : لا يشع ، وما يخرج من النار له إشعاع وحرارة .
بمعنى : أنك لو كنت تجلس في حجرة ، وخلف ظهرك في الحجرة الأخرى نار موقدة ؛ فالساتر - أيا كان - سوف يحمل لك بعضا من حرارة النار ، إلا لو كان عازلا للحرارة .
أما لو كانت هناك تفاحة - وهي مخلوقة من الطين - موجودة في الحجرة الأخرى ، فلن ينفذ طعمها أو رائحتها إليك .
إذن : فالنار لها قانونها ، والطين له قانونه . وقانون المادة المخلوقة من الطين لا ينتقل إلا إذا نقلت الجرم « 3 » إلى المكان الذي توجد فيه .
هامش
( 1 ) القبيل : الجماعة من الناس يكونون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتّى ، كالعرب ، والروم ، والزنج ، وقد يكونون من نحو واحد ، وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة . وكل جيل من الجن والناس قبيل . قال تعالى :أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا( 92 ) [ الإسراء ] . [ اللسان : مادة ( قبل ) ] .
( 2 ) قار : أي : مستقر في مكانه لا ينتقل منه شئ إلا إذا نقلته أنت . يقال : فلان قارّ ، أي : ساكن ثابت .
( اللسان : مادة قرر ) .
( 3 ) الجرم : الجسم . والجمع ( الأجرام ) .