ونحن نعلم أن الكسب إنما يكون في الأمر الفطري ويناسب الطاعات ؛ لأن الطاعة أمر مناسب وملائم للفطرة ، فلا أحد يستحى أن يصلّى ، أو يتصدق ، أو يصوم ، أو يحج ، لكن من الناس من يستحى أن يعرف عنه أنه كاذب ، أو مراب ، أو شارب خمر .
والإنسان حين يرتكب السيئة يمر بتفاعلات متضاربة ؛ فالذي يسرق من دولاب والده وهو نائم ، تجده يتسلل على أطراف أصابعه ويكون حذرا من أن يرتطم بشئ يفضح أمره ، كذلك الذي ينظر إلى محارم غيره .
كل هذا يدل على أن ارتكاب الشئ المخالف فيه افتعال ، أي : يحتاج إلى اكتساب ، ولكن الكارثة أن يستمر الإنسان في ارتكاب المعاصي حتى تصير دربة ، ويسهل اعتياده عليها ؛ فيمارس المعصية باحتراف ؛ فتتحول من اكتساب إلى كسب .
أو أن يصل الفاسق من هؤلاء إلى مرتبة من الاستقرار على الانحلال ؛ فيروى ما يفعله من معاص وآثام بفخر ، كأن يقول : « لقد سهرنا بالأمس سهرة تخلب العقل ، وفعلنا كذا وكذا » ، ويروى ذلك ، وكأنه قد كسب تلك السهرة بما فيها من معاص وآثام .
ومن رحمة اللّه سبحانه بالخلق أنه يجازى مرتكب السيئة بسيئة مثلها ، فيقول سبحانه :
جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ،
وتتجلى أيضا رحمة الحق سبحانه وتعالى حين يعطى من لا يرتكب السيئة مرتبة ؛ فيصير ضمن من قال عنهم الحق سبحانه :
لا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ
لكن الذين لم يهتدوا منهم من يقول الحق سبحانه عنهم :
ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ
أي : لن يجيرهم أحد عند اللّه تعالى ، ولن يقول أحد لله سبحانه : لا تعذّبهم .