لقد فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك ؛ لأنه ردّ على عدوان أقسى من ذلك .
وهكذا نرى أن هناك بغيا بحق ، وبغيا بغير حق . ولذلك يسمى اللّه جزاء السيئة سيئة مثلها « 1 » ، ويقول سبحانه :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
( 194 ) [ البقرة ]
ويسميه الحق سبحانه « اعتداء » رغم أنه ليس اعتداء ، بل ردّ الاعتداء .
ويطلقها الحق سبحانه وتعالى قضية تظل إلى الأبد بعد ما تقدم ، فيقول :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا
( 23 )
[ يونس ]
وهنا يبين اللّه سبحانه وتعالى وكأنه يخاطب الباغي : يا من تريد أن تأخذ حق غيرك ، اعلم أن قصارى « 2 » ما يعطيك أخذ هذا الحق هو بعض من متاع الدنيا ، ثم تجازى من بعد ذلك بنار أبدية « 3 » .
وأنت إن قارنت زمن المتعة المغتصبة الناتجة عن البغى بزمن العقاب عليها ؛ لوجدت أن المتعة رخيصة هينة بالنسبة إلى العقاب الذي سوف تناله عليها ولا تأخذ عمرك في الدنيا قياسا على عمر الدنيا نفسها ؛ لأن الحق سبحانه قد يشاء أن يجعل عمر الدنيا عشرين مليونا من السنوات ، لكن عمرك فيها محدود .
هامش
( 1 ) وذلك في نحو قوله تعالىوَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . .( 40 ) [ الشورى ] . وهذا من قبيل المشاكلة ، وهو مصطلح بلاغى مؤداه ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ، فالجزاء هنا حق لا يوصف بأنه سيئة ، ولكنه سمى هكذا لمشاكلته لما معه . انظر ( الإتقان في علوم القرآن 3 / 281 ) .
( 2 ) قصارى الشئ : آخره وغايته وهي من معنى القصر ، أي : الحبس ؛ لأنك إذا بلغت الغاية حبستك .
[ اللسان : مادة ( قصر ) - بتصرف ] .
( 3 ) ومن أمثلة الغصب والبغى بغير الحق ما رواه ابن مسعود قال : قلت يا رسول اللّه ، أىّ الظلم أعظم ؟
قال : ذراع من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه ، فليس حصاة من الأرض يأخذها أحد إلا طوّقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ، ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها . أخرجه أحمد في مسنده ( 1 / 396 ) والطبراني في معجمه الكبير ( 10 / 266 ) . قال الهيثمي في المجمع ( 4 / 174 ) : « إسناد أحمد حسن » .