فرض الإتاوات « 1 » على الناس ، ويكسل عن أي عمل غير ذلك . وأنت ترى ذلك في أبسط المواقع والأحياء ، حين يحترف بعض ممن يغترون بقوتهم الجسدية ، وقد تحولوا إلى ( فتوات ) « 2 » يستأجرهم البعض لإيذاء الآخرين ، والواحد من هؤلاء إنما احترف الأكل من غير بذل جهد في عمل شريف .
والبغى - إذن - هو عمل من يفسد على الناس حركة الحياة ؛ لأن من يقع عليهم ظلم البغى ، إنما يزهدون في الكدّ والعمل الشريف الطاهر .
وإذا ما زهد الناس في الكدّ والعمل الشريف ؛ تعطلت حركة الحياة ، وتعطلت مصالح البشر ، بل إن مصالح الظالم نفسها تتعطل ؛ ولذلك قال الحق سبحانه :
إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ . .
( 23 ) . [ يونس ]
ولقائل أن يسأل : وهل هناك بغى بحق ؟
أقول : نعم ؛ لأن البغى اعتداء على الصالح بإفساد . وأنت ساعة ترى إنسانا يفسد الشئ الصالح ، فتسأله : لماذا تفعل ذلك ؛ وقد يجيبك بأن غرضه هو الإصلاح ، ويعدّد لك أسبابا لهذا البغى ، فهذا بغى بحق ، أما إن كان بغيا بدون سبب شرعي فهذا هو البغى ، بل قمته .
ومثال البغى بحق ، أقول : ألم يستول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أرض « بني قريظة » ، وأحرق زرعهم وقطع الأشجار في أراضيهم ، وهدم دورهم ؟
أليس في ذلك اعتداء على الصالح ؟
هامش
( 1 ) إتاوات : جمع إتاوة وهي قدر من المال يدفع غصبا وإجبارا - بدون وجه حق - إلى ذوى السطوة والتسلّط . وهي تشبه المكوس .
( 2 ) هذا لفظ يستعمله الناس لكل إنسان منحرف ليتخذ من قوته تهديدا للأمن والسطو على ممتلكات الناس وتخويف الناس . وفي لغة العرب : الفتىّ : هو الشاب القوى والفتى : العبد ، وجمعه على القلة فتية . وفي الكثرة فتيان ، والأمة : فتاة ، وجمعها فتيات . والفتوة عرفت عند العرب بأهل النجدة والعون والاحتساب ، ولكن هذه الكلمة أطلقت على كل منحرف ومحترف الإفساد .