والحق سبحانه يقول هنا :
كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ
( 24 ) [ يونس ]
والاختلاط : اجتماع شيئين أو أشياء على هيئة الانفصال بحيث يمكن أن تعزل هذا عن ذاك ، فإن خلطت بعضا من حبات الفول مع بعض من حبّات الترمس ؛ فأنت تستطيع أن تفصل أيا منهما عن الأخرى ، ولكن هناك لونا آخر من جمع الأشياء على هيئة المزج ، مثلما تعصر ليمونة على ماء محلّى بالسكر ، وهذا ينتج عنه ذوبان كل جزىء من الليمون والسكر في جزئيات الماء .
وهنا يقول الحق سبحانه :
كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ
وقد يفهم من ذلك أن الماء والنبات قد اختلطا معا ، لكن النبات - كما نعلم - ككائن حي مخلوق من الماء مصداقا لقول الحق سبحانه :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . .
( 30 ) [ الأنبياء ]
وهنا لا بد أن نلتفت إلى الفارق بين « باء » الخلط ، و « باء » السببية « 1 » فالباء هنا في هذه الآية هي باء السببية ، وبذلك يكون المعنى : فاختلط بسببه نبات الأرض . وأنت ترى بعد سقوط المطر على الأرض أن المياه تغطي الأرض ، ثم تجد بعد ذلك بأيام أو أسابيع ، أن سطح الأرض مغطى بالزروع ، وكلها مختلطة متشابكة ، وكلما تشابكت الزروع مع بعضها فهذا دليل على أن الري موجود والخصوبة في هذه الأرض عالية ، وهذا نتيجة تفاعل الماء مع التربة .
هامش
( 1 ) الباء : حرف يجر الاسم الظاهر والمضمر ، ويقع أصليا أو زائدا ، ويؤدى عدّة معان ، أشهرها خمسة عشر ، هي : الإلصاق ، والاستعانة ، والسببية ، والتعدية ، والظرفية ، والعوض ، والمصاحبة ، والتبعيض ، والمجاوزة ، والاستعلاء ، والتوكيد ، وأن تكون بمعنى كلمة ( بدل ) ، وأن تكون بمعنى كلمة ( إلى ) . انظر تفصيل ذلك في النحو الوافي ( 2 / 490 - 497 ) .