ولذلك حين نريد أن نحكم استواء جدار أو أرض ، فنحن نأتى بميزان الماء ؛ لأنه يمنع حدوث أي عوج مهما بلغ هذا العوج من اللطف والدقة التي قد لا تراها العين المجردة .
وفي يوم القيامة يأتي أصحاب العوج في العقيدة ، ويصورهم الحق سبحانه في قوله :
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ
« 1 »
لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ
« 2 »
لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
( 108 ) [ طه ]
هم - إذن - يصطفّون بلا اعوجاج ، كما يصطف المجرمون تبعا لأوامر من يقودهم إلى السجن ، في ذلة وصغار « 3 » ولا ينطقون إلا همسا .
وهنا يقول الحق سبحانه :
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
( 19 ) [ هود ]
والسبب في صدّهم عن سبيل اللّه أنهم يريدون الحال معوجا ومائلا ، وأن ينفرّوا الناس من الإيمان ليضمنوا لأنفسهم السلطة الزمنية ويفسدون في الأرض ؛ لأن مجىء الإصلاح بالإيمان أمر يزعجهم تماما ، ويسلب منهم ما ينتفعون به بالفساد .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
هامش
( 1 )يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُأي : يوم القيامة الذي يرون فيه هذه الأحوال والأهوال فيستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه ، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم . وقال قتادة :
لا عوج له أي : لا يميلون عنه وخشعت : سكنت . [ تفسير ابن كثير : 3 / 165 ] .
( 2 ) خشعت الأصوات : خفتت وهدأت ، كناية عن شدة الرهبة والخوف يوم القيامة . [ القاموس القويم - 1 / 194 ] .
( 3 ) الصغار ( بفتح الصاد المشددة ) : الخضوع في ذل ومهانة . [ لسان العرب - مادة : صغر ] .