وحين وسّع اللّه عليه أكثر ؛ اشترى سيارة فيها ماكينة شفط للقاذورات ، وصار يجلس على الكرسي ، ويدير « موتور » نزح المجارى لداخل خزان السيارة المخصص لذلك .
إذن : فارتباطات المجتمع لا بد أن تنشأ عن حاجة ، لا عن تفضّل ؛ لأن التفضل ليس فيه إلزام بالعمل ، لكن الحاجة هي التي فيها إلزام بالعمل ؛ لتسير حركة الحياة .
ومن يعشق عمله على أي وضع كان ، يوفقه اللّه تعالى فيه أكثر ؛ لأنه احترم قدر اللّه تعالى في نفسه ، ولم يستنكف « 1 » ، ويعطيه اللّه سبحانه كل الخير من هذا العمل ، بقدر حبه للعمل وإخلاصه فيه .
وإن نظرت إلى العظماء في كل مهنة مهما صغرت ، فستجد أن تاريخهم بدأ بقبولهم لقدر اللّه سبحانه وتعالى فيهم .
ونحن نعلم أن قيمة كل امرئ فيما يحسنه ؛ ولذلك تجد الأمة مكونة من مواهب متكاملة لا متكررة ، حتى يحتاج كل إنسان إلى عمل غيره .
ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى :
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
« 2 »
. .
( 32 ) [ الزخرف ]
هامش
( 1 ) الاستنكاف : الاستكبار والامتناع وأن تأخذه الأنفة من فعل الشئ . ومنه قوله تعالى :لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً( 172 ) [ النساء ] .
( 2 ) سخريا : مسخّرا في العمل ، مستخدما فيه . [ كلمات القرآن ] أي : يستخدم بعضهم بعضا في الأعمال المختلفة حسب إجادة كل منهم لها . وقد جعل اللّه تعالى ذلك سببا للمعاش في الدنيا ؛ ليترابط الناس ويتآلفوا ، ولا ينعزل كل منهم بعيدا عن الآخرين فتفسد الحياة .