وأما بقية الكون فمسبّح « 1 » مؤمن بالله تعالى ، والكون عوالم لا حصر لها ، ولكلّ نظام لا يحيد عنه .
ولو أراد اللّه سبحانه وتعالى أن يدخل الثقلين - الإنس والجن - في نظام التسخير ما عزّ عليه ذلك ، لكن هذا التسخير يثبت له القدرة ولا يثبت له المحبوبية .
ولذلك ترك الحق سبحانه الإنسان مختارا ليؤمن أو لا يؤمن ، وهذا ما يثبت له المحبوبية إن جئته مؤمنا ، وهذا يختلف عن إيمان القسر والقهر ، فالإيمان المطلوب من الإنسان أو الجن هو إيمان الاختيار .
وأما إيمان القسر والقهر ، فكل ما في الكون من عوالم مؤمن بالحق سبحانه ، مسبّح له .
والحق سبحانه وتعالى يقول :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . .
( 44 )
[ الإسراء ]
وهذا ليس تسبيح « 2 » دلالة ورمز ، بل هو تسبيح حقيقي ، بدليل قوله سبحانه وتعالى :
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . .
( 44 ) [ الإسراء ]
فإن فقّهك اللّه تعالى في لغاتهم لعلمت تسبيح الكائنات ، بدليل أنه
هامش
( 1 ) يقول رب العزة سبحانه :تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ . .( 44 ) [ الإسراء ] . ويقول تعالى :سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( 1 ) [ الحشر ] .
( 2 ) تسبيح الدلالة والرمز نلحظه يقينا في حركة الجماد وحركة ونمو وتنفس النبات ، وحركة ونمو وتنفس وغريزة الحيوان ، وحركة ونمو وتنفس وتعقل الإنسان ؛ فكل حركة لها محرك ، وفي الحركة تسبيح ، وفوق ذلك نجد للأرض والسماء بكاء في قوله تعالى :فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ( 29 ) [ الدخان ] ، والبكاء يصدر عن عاطفة والعاطفة تصدر عن علم ، وهذه المراتب تسبيح بحقيقة لا يدركها عقل وقد يحسّها قلب .