وقد ظل سيدنا نوح - عليه السّلام - يدعو القوم بعدد ما عاش فيهم ، أي : ألف سنة إلى خمسين ، فكم جيل - إذن - ظل نوح يعالجه ؟
إنها أجيال متعددة ، ومع ذلك لم يظفر إلا بقدر قليل من المؤمنين « 1 » بحمل سفينة واحدة ، ومعهم الحيوانات أيضا ، فضلا عن أن ابنه خرج - أيضا - مع القوم الكافرين ، وناداه نوح - عليه السّلام - ليركب معه وأن يؤمن ، فرفض ، وآثر أن يظل في جانب الكفر ، بما فيه من فناء للقوم الكافرين ، وظن أنه قادر على أن يأوى إلى جبل يعصمه من الطوفان ، ولم ينظر ابن نوح إلى جندي آخر من جنود اللّه سبحانه يقف عقبة في سبيل الوصول إلى الجبل ، وهو الموج .
إذن : فقول نوح عليه السّلام :
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ . .
( 71 ) [ يونس ]
له رصيد إيماني ضمني ، فلا يوجد مجير على اللّه من خلق اللّه ؛ لأن الخلق كله - جماده ونباته وحيوانه - إنما ينصاع لأمر اللّه تعالى في نصرة نوح - عليه السّلام - ولن يتخلف شئ .
هكذا كان توكّل نوح - عليه السّلام - على اللّه تعالى بما في هذا التوكل من الرصيد الإيمانى المتمثل في :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . .
( 120 ) [ المائدة ]
و
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . .
( 284 ) [ البقرة ]
هامش
( 1 ) ومصداق ذلك قوله تعالى :قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ( 40 ) [ هود ] فعن ابن عباس : كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم ، وعن كعب الأحبار : كانوا اثنين وسبعين نفسا ، وقيل : كانوا عشرة . وقيل غير ذلك . وأيّا كان عددهم فهو قليل جدا بالنسبة لمدة مكث نوح فيهم .