وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
« 1 »
يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً . .
( 39 )
[ النور ]
والسراب كما نعلم يراه السائر في الصحراء ، وهو عبارة عن انعكاس للضوء ؛ فيظن أن أمامه ماء ، ولكن إن سار إليه الإنسان لم يجده ماء ، وهكذا شبّه الحق سبحانه عمل الكافر بمن يسير في صحراء شاسعة ، ويرى السراب ؛ فيظنه ماء ، لكنه سراب ، ما إن يصل إليه حتى ينطبق عليه قول الحق سبحانه :
حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ . .
( 39 ) [ النور ]
أي : أنه يفاجأ بوجود اللّه سبحانه وتعالى ، فيوفيه اللّه حسابه .
ولذلك فالذي يكفر بالله ويعمل ما يفيد البشر ، فإنه يأخذ حسابه ممن عمل له ، ولا يحسب له ذلك في الآخرة ، وتجد الناس يكرّمونه ، ويقيمون له التماثيل أو يمنحونه الجوائز وينطبق عليه قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم :
« فعلت ليقال ، وقد قيل » « 2 » .
هامش
( 1 ) السراب : ما يرى في نصف النهار من اشتداد الحر كالماء في الصحراء يلتصق بالأرض . وهو من خداع البصر . وقد سمّى السراب سرابا لأنه يسرب سروبا ، أي : يجرى جريا ، أي : يتحرك حركة تخدع الرائي من بعيد ؛ فيظنه ماء وهو ليس بماء ، بل خداع ضوئى وبصرى ناتج عن الحالة النفسية للشخص عند شدة عطشه ووجوده في صحراء قاحلة ؛ فأي حركة من بعيد يظنها ماء ؛ ويجرى إليها ؛ ليفاجأ بعدم وجود شئ . [ اللسان : مادة ( س ر ب ) بتصرف ] .
والقيعة : أرض واسعة مستوية لا تنبت الشجر . قال الفرّاء : القيعة جمع القاع ، والقاع : ما انبسط من الأرض . قال تعالى :فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً( 106 ) [ طه ] . [ اللسان : مادة ( ق وع ) بتصرف ] .
( 2 ) عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها . قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت . قال : كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال : جرىء فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها . قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن . قال : كذبت ، ولكنك تعلّمت العلم ليقال : عالم ، وقرأت القرآن ليقال : هو قارىء . فقد قيل . ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار . . » . الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ( 1905 ) والنسائي في سننه ( 6 / 23 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .